الإمارات تبني ما بعد النفط بالنفط

في أكتوبر 2017 عيّنت الإمارات أول وزير للذكاء الاصطناعي في تاريخ الحكومات، معالي عمر سلطان العلماء، كان عمره سبعة وعشرين عاماً، روى لاحقاً في مجلة «التايم» أن مسؤولاً غربياً كبيراً علّق في اجتماع ثنائي قائلاً: «وزير ذكاء اصطناعي في عمر ابني، لتنظيم تكنولوجيا افتراضية، يثبت أن حكومتكم تملك وقتاً وموارد أكثر مما ينبغي»، بعد تسع سنوات من تلك الجملة، تقف الإمارات أمام العالم بحرم ذكاء اصطناعي تبلغ طاقته خمسة غيغاواط قيد الإنشاء في أبوظبي، هو الأكبر خارج الولايات المتحدة، وبأول شحنة من رقائق إنفيديا المتقدمة، وصلت إلى أراضيها، بعد موافقة البيت الأبيض، وبأكثر من 1.4 تريليون دولار مرصودة في أغلبها لشراكات تكنولوجية خلال العقد المقبل، وربما الذي سَخِرَ من «التكنولوجيا الافتراضية»، يبحث اليوم عن موعد في أجندة وزيرها!

المسار الذي قطعته الإمارات في الذكاء الاصطناعي، يتجاوز الاستثمارات الضخمة إلى بناء منظومة متكاملة من البنية التحتية والبحث العلمي والتشريعات والكوادر، ففي عام 2019، أنشأت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، كأول جامعة بحثية للدراسات العليا متخصصة في هذا المجال في العالم، ثم رسخت الدولة حضورها عبر نماذج خرجت من منظومتها التقنية والبحثية، من فالكون الذي أطلقه معهد الابتكار التكنولوجي، وتصدّر تصنيفات Hugging Face، إلى جيس كأحد أقوى النماذج العربية المفتوحة المصدر، وصولاً إلى K2 Think، الذي حقق أداء يضاهي نماذج تفوقه بعشرين ضعفاً في عدد المعاملات، مايكروسوفت وحدها رصدت 15.2 مليار دولار في الإمارات حتى نهاية العقد، تشمل توسعة مراكز البيانات والبنية السحابية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى استثمارها في G42.

هذا التراكم التقني والمعرفي، هو ما دفع مجلس الأطلسي إلى تصنيف الإمارات «قوة ذكاء اصطناعي متقدمة»، في تقريره الأخير.

القرار الأحدث يكشف المدى الذي بلغه هذا التحول، فقد وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتحويل خمسين في المئة من الخدمات الحكومية الاتحادية إلى أنظمة ذكاء اصطناعي ذاتية التشغيل خلال عامين، ووصف صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الذكاء الاصطناعي بأنه سيصبح «الشريك التنفيذي» للحكومة في تعزيز الخدمات، وتسريع القرارات، ورفع الكفاءة، وتقييم النتائج، وإدخال التحسينات في الوقت الحقيقي، فالإمارات تتجه نحو أن تصبح أول حكومة في العالم تعمل بنماذج الذكاء الاصطناعي المستقل، وسبعون في المئة من القوى العاملة في الدولة، تستخدم فعلياً أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفقاً لتقرير مايكروسوفت للربع الأول من 2026، وهي أول دولة في العالم تتجاوز هذا الحاجز، ما يعني أن التحول الحكومي يسير بالتوازي مع جاهزية مجتمعية حقيقية.

في عام 2015، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عبارة، بدت يومها أقرب إلى الحلم: «إننا سنحتفل عند تصدير آخر برميل للنفط بعد 50 عاماً، وإن رهاننا الحقيقي في هذه الفترة، وعندنا خير، أن نستثمر كل إمكاناتنا في التعليم»، بعد أحد عشر عاماً، خرجت الإمارات من «أوبك» في الأول من مايو 2026، بعد تسعة وخمسين عاماً من العضوية، وهي تملك طاقة إنتاجية تقارب خمسة ملايين برميل يومياً، وتساهم قطاعاتها غير النفطية بأكثر من سبعة وسبعين في المئة من ناتجها المحلي.

الخروج استكمال طبيعي لمسار حوّلت فيه الدولة عائدات النفط إلى صناديق سيادية، ثم إلى بنية تحتية عالمية، ثم إلى منظومة تقنية تنافس على صدارة الذكاء الاصطناعي. الإمارات تستخدم النفط لبناء ما بعد النفط.

مراكز البيانات اليوم تكلّف أكثر من الموانئ والمطارات، والذكاء الاصطناعي يستقطب واحداً من أكبر تدفقات الاستثمار الاستراتيجي في تاريخ الإمارات، والمنظومة الرأسمالية الوطنية، أصبحت قادرة على تمويل مشاريع بهذا الحجم من الداخل، وفي منتدى «اصنع في الإمارات» هذا الأسبوع، طُرح مفهوم «الاستثمار المحلي المباشر»، كتوصيف جديد لمرحلة تجاوز فيها الاقتصاد الإماراتي الاعتماد على رأس المال الأجنبي في تمويل مشاريعه الاستراتيجية.

الإمارات، التي بنت ثروتها من تحت الأرض، تبني مستقبلها فوقها، ونماذج ذكاء اصطناعي تتنافس على صدارة العالم، تثبت أن التحول عميق وحقيقي، كل غيغاواط في حرم أبوظبي للذكاء الاصطناعي، يحمل الرسالة ذاتها التي حملها أول برميل نفط صُدِّر من هذه الأرض: التاريخ يتذكر الدول التي عرفت كيف تحوّل مواردها إلى قوة تصنع المستقبل.