المرونة المؤسسية.. صلابة الإمارات في مواجهة التحديات

في هذا الأسبوع شهدت الدولة قراراً تاريخياً بإعلانها الخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، وتحالف «أوبك +»، بعد نحو 6 عقود من العضوية الجادة والشراكة الحقيقية. وقد تبدو القراءة الأولية تشير إلى انسحاب الدولة من أحد التكتلات العالمية.

وفض هذه الشراكة التي امتدت لسنوات طويلة، غير أن القراءة التحليلية توضح مؤشرات حيوية، تتمثل في معطيات الإعلان وتوقيته، وفق ما أعلنت عنه الدولة على لسان معالي سهيل بن محمد المزروعي، وزير الطاقة والبنية التحتية، حيث أشار إلى توافق القرار مع التطور المستند إلى سياسات قطاع الطاقة.

وما تطرق إليه معالي الدكتور سلطان بن أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لأدنوك ومجموعة شركاتها، بشأن سيادية القرار وتماشيه مع قدرات الدولة الإنتاجية، لا سيما بعد سنوات الاستثمار الرأسمالي الضخم في قطاع الطاقة، والذي تجاوز عشرات المليارات خلال العقد المنصرم.

وخلال هذا الأسبوع وعلى المستوى المحلي ذي الأثر الدولي فقد عقدت اللجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح اجتماعها الثاني لهذا العام، برئاسة معالي خالد محمد بالعمى، محافظ مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي.

والذي تم خلاله اعتماد سلسلة من القرارات الاستراتيجية، تتمثل في اعتماد النسخة العامة الثانية من التقييم الوطني لمخاطر تمويل انتشار التسلح، وهو قطاع بالغ الأهمية والحساسية في ظل التحديات الجيوسياسية، التي تشهدها المنطقة ومخاطر الإرهاب والتنظيمات المرتبطة به، ما يعكس التزام الدولة بالتحديث المستمر لمنظومة مؤشرات المخاطر لديها، ناهيك عن اعتماد تقييمات مخاطر لقطاعات حيوية أخرى، منها الأصول الافتراضية، والمنظمات غير الهادفة للربح، وجميعها قطاعات ذات طبيعة خاصة لا ترتبط بمواجهة غسل الأموال فحسب، بل بمكافحة الإرهاب وداعميه ومموليه.

وعلى صعيد التطوير المؤسسي وتعزيز الحوكمة فقد اعتمدت اللجنة منظومة العمل المحدثة للجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الوطنية، هذه اللجان التي أصبحت نموذج عمل متكاملاً، يتسم بالكفاءة والمرونة.

حيث تشكل كل منها نقطة التقاء وإنجاز لمجموعة من المؤسسات والمحاور المرتبطة بالمنظومة الوطنية لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتمويل انتشار التسلح، ويأتي اعتماد إعادة تشكيل هذه اللجان بنظام عمل محدث كونه خطوة نحو تعزيز دورها المكمل للأمانة العامة للجنة الوطنية، والداعم لدور اللجنة الوطنية.

وبالرغم من اختلاف القطاعين فإن ما يشكل جوهر الموضوع هو القاسم المشترك بين هذه التطورات، والذي يكمن في نهج واحد تتبناه الدولة، يقوم على سيادية القرار، والاستجابة الاستباقية، وتكييف السياسات بما يتماشى مع التطورات العالمية. هذا النهج المميز الذي أصبح نهجاً يدرس في علوم القيادة والإدارة الحديثة.

إن إعادة رسم شبكة الشراكات الاستراتيجية وتطويرها ليس تراجعاً في المبدأ، فقد كانت الدولة واضحة في بيان أن الشراكات الاستراتيجية الحقيقة هي تلك التي ترتبط بالمصالح الوطنية بالدرجة الأولى.

كما أن الخروج من منظمة لا يعني الخروج من العالم، أخذاً في الاعتبار حجم المنظمة وحجم العالم وحجم الشراكات الاستراتيجية، ورصيد العلاقات الدولية الذي تملكه الإمارات! هذا الحجم وهذا الرصيد الذي يعبر عن سنوات النشاط الدبلوماسي والاقتصادي والمجتمعي للدولة على مستوى العالم، فهي إحدى أكبر القوى الناعمة تأثيراً في العالم وفقاً للمؤشرات الدولية.

ومن ناحية أخرى فإن استحضار الفرص من خلال تطوير السياسات الوطنية وتحديثها باستمرار هو ما يقود الدولة ومؤسساتها لمواصلة النمو والازدهار، ومنها ما تم خلال الأسبوع الماضي من خطة تحويل 50 % من قطاعات وخدمات وعمليات الحكومة، لتطبق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة خلال عامين.

وما تلاه هذا الأسبوع من تعديل مسمّى «المجلس الوزاري للتنمية» ليصبح «المجلس الوزاري للذكاء الاصطناعي والتنمية»، وكل ذلك في إطار رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والتي أعلن عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.

تظهر لنا الدولة مرة أخرى مرونتها المؤسسية العالية، من خلال التعاطي مع المتغيرات العالمية، ومن خلال مواكبة التطورات على المستويين المحلي والدولي، كما تظهر لنا الدولة صلابتها في اتخاذ القرارات الصحيحة في التوقيت المناسب، هذه المرونة الصلبة، أو الصلابة المرنة بتعبير أكثر دقة، هو ما تملكه الإمارات بامتياز، وتملك معه قراراتها لمستقبل أكثر نجاحاً وريادة.