لطالما وُصفت دبي بأنها صانعة للاتجاهات، لا في فضاء التجارة والاقتصاد والخدمات على مستوى المنطقة فحسب، بل على امتداد المشهد العالمي أيضاً.
غير أن دبي، بطبيعتها المتجددة، لم تكتفِ بهذا الموقع؛ بل تجاوزته لتغدو «معياراً قياسياً» تُقاس عليه النماذج الأخرى، نجاحاً أو إخفاقاً. فقد استطاعت المدينة أن تصوغ منظومة معايير عالمية دفعت المنافسين إلى سباق لا يقتصر على محاولة مجاراتها، بل يمتد إلى محاولة فكّ شيفرة قدرتها اللافتة على الصمود أمام الأزمات المتلاحقة.
فعندما ترفع مدينة ما سقف الإدارة العامة، والجودة، والكفاءة، وسرعة الاستجابة، وصناعة الفرص، فإنها تمارس، بحكم التفوق لا الادعاء، ضغطاً غير مباشر على النماذج الإقليمية والدولية المحيطة بها. وما يصفه البعض بـ«صعوبة ملاحقة دبي» لم يكن ثمرة وفرة الموارد وحدها، بل نتاج إدارة حصيفة لتلك الموارد، ومرونة تشريعية، واستباق قيادي، وجرأة محسوبة في التعامل مع المخاطر المحتملة.
هذا الفارق في السرعة والكفاءة يخلق حالة من القلق، وربما الهلع، لدى المنافسين الأقل جاهزية، إذ يصبح نجاح دبي كاشفاً لثغرات الآخرين، فيتحول الهجوم عليها إلى وسيلة دفاعية لتبرير تراجع النماذج التقليدية، وربما فشلها.
وقد بات لافتاً ومتكرراً في الأدبيات السياسية والإعلامية أن دبي توضع دائماً تحت «مجهر استثنائي». فحين تمر مدن عالمية كبرى بكوارث طبيعية أو أزمات اقتصادية، تُقابل غالباً بالتعاطف والتفهّم، بينما تُستقبل دبي، في ظروف مشابهة، بحملات تشكيك وافتراء ومحاولات انتقاص لا تخفى دوافعها.
ولا يبدو أن لهذه الظاهرة تفسيراً أعمق من أن انتظار «فشل دبي» ليس عداءً عشوائياً، بل رغبة دفينة في إثبات أن النموذج الطموح غير قابل للاستدامة، وأن المتعثرين ليسوا وحدهم في الميدان. إنها محاولة نفسية وسياسية لإسقاط التفوق على مقاس العجز، لا قراءة موضوعية لمدينة راكمت إنجازها عبر التخطيط والانضباط والقدرة على التعافي.
ولنأخذ الحوادث الطبيعية الناتجة عن التحديات المناخية العابرة، وهي تحديات لا تقتصر على دبي بطبيعة الحال، مثالاً على ذلك. ففي كل مرة تتعرض فيها المدينة لظرف استثنائي، تُضخّم الواقعة وتُحوّل إلى قضية مركزية، وكأن مثل هذه الأحداث لا تقع إلا في دبي، في محاولة واضحة لنزع صفة «الكمال المؤسسي» التي التصقت بالمدينة.
ولعل التوترات الأخيرة المرتبطة بالملف الإيراني تقدم نموذجاً آخر لهذا المجهر غير المحايد. فبدلاً من أن ينصرف الإعلام الغربي إلى جوهر الصراع والتهديدات الأمنية، وما يستدعيه ذلك من إدانة واضحة للاعتداءات على المرافق المدنية، انحرفت البوصلة نحو استهداف دبي، والتشكيك في استقرارها، بل ومهاجمة من يشهدون من داخلها بما تراه أعينهم وتعيشه جوارحهم من أمن وأمان واستقرار وازدهار.
لقد مثّل استهداف دبي إعلامياً في أوقات الحروب هروباً إلى الأمام، ومحاولة يائسة للنيل من «الواحة الآمنة» التي تثبت، مرة بعد أخرى، أن الازدهار ممكن حتى في أكثر أقاليم العالم اضطراباً.
وبدا جلياً أن الأطراف التي تقتات على الاستقطاب لا ترتاح إلى دبلوماسية دبي المتوازنة، التي تتبنى نهج «تصفير المشكلات» وتقدّم الاقتصاد والتنمية وبناء الفرص على منطق الخلافات والصدامات.
غير أن ما لا يدركه هؤلاء أن الدبلوماسية الإماراتية تعي تماماً أن الهجمات الإعلامية ليست سوى ضريبة النجاح في بيئة يغلب عليها التنافس السلبي. ولهذا لم يكن الرد الحقيقي يوماً بالسجال، بل بتعزيز الجاذبية.
فالمستثمر العالمي لا يتوقف طويلاً عند العناوين المحرّضة، بل يراقب المؤشرات الصلبة: سرعة التعافي، كفاءة المؤسسات، استمرارية الأعمال، وعودة الحياة إلى طبيعتها بعد كل أزمة.
وهذا كله يذكّرنا بأن الريادة التي حققتها دبي جعلت منها مؤشراً حساساً للاستقرار الإقليمي. فبينما ينشغل البعض بانتظار تعثرها، تمضي المدينة في إعادة تعريف المعايير. أما الهجوم الإعلامي عليها، في جوهره، فليس إلا اعترافاً ضمنياً بأن دبي لم تعد مجرد مدينة، بل أصبحت فكرة. والأفكار القوية تثير الجدل والمقاومة قبل أن تتحول إلى واقع يسعى الجميع إلى محاكاته. ومن لديه شك، فليتخيل كتاباً بعنوان: «كيف تُقلّد دبي؟» ثم يقرأه على مهل.