شاء قدر الإقليم العربي أن يكون عرضة للأطماع والأطماح، عبر التاريخ، دورات زمنية متتالية، لكن عقب كل دورة تبحث الخرائط عن استراحة لتلتقط أنفاسها.
الحرب الأخيرة، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، تؤكد الإغارة على الإقليم العربي، تلك الفلسفة التي ظلت على مر عقود، تتعايش على مسرح هذا الإقليم.
وقد تبدى للعالم أن هذا الإقليم بحمولاته الحضارية والدينية والثقافية، هو رمانة الميزان في النظام الدولي، لأنه منتج الطاقة، وصاحب ممرات العبور، وقوة الاقتصاد العالمي، وقد رأينا أن مضيق هرمز الدولي، بات السهم الذي يصيب قلب الاقتصاد العالمي بالشلل.
هنا نريد التأكيد أنه آن الأوان ليرفع الجميع أيديهم عن الإقليم العربي، فلا قوة، مجاورة قريبة، يجب أن تختطف رؤيته ومستقبله، ولا قوة بعيدة أيضاً، يجب أن تكون لها السيطرة.
الحقيقة واضحة، أن أصحاب الإقليم العربي، لن يكونوا قط سبباً في كل هذه الحروب، والتدخلات والأطماع الخارجية والإقليمية، وقد آن الأوان لنفكر «خارج الصندوق».
ونقدم تصوراً منبثقاً من ذات الإقليم، فالمنطقة العربية قادرة على الجلوس على مقعد مهم في النظام العالمي المحتمل، وهنا أتصور أنه يمكن تقديم أفكار قابلة للنقاش والتطوير، لا بدّ أن نبدأ في تطبيقها فور إسكات أصوات المدافع، وستسكت المدافع، ، ومن بين هذه الأفكار ما يلي:
أولاً: الانتقال من منطق «إدارة الأزمة»، إلى منطق منع إنتاج الأزمة عبر إعادة هندسة القرار السياسي، وليس الترميم كما جرى عبر عقود.
ثانياً: إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي، وفق المستجدات الحديثة، ليشمل الغذاء والمياه والطاقة والمعرفة.
ثالثاً: تفكيك فلسفة القوى غير العربية، التي تستخدم الحروب، كاقتصاد يعيش على الصراع، والإغارة على الأراضي العربية، وتكوين الميليشيات والأحزاب التي تهدد دول الإقليم.
رابعاً: بناء عقد اجتماعي جديد، يربط شعوب الدول العربية معاً في الثقافة والاجتماع والرؤية الحضارية، من خلال بناء طرق وسكك حديدية، وممرات بحرية وطرق برية، وتجارة بينية عربية حرة بلا حواجز، وربط المنطقة بشبكات الكهرباء الواحدة.
خامساً: هناك جيل شاب في الإقليم العربي، يصل إلى حدود 60 ٪ من سكانه، و يجب الاستفادة من هذه الطاقة الحيوية في حماية المستقبل العربي، والاستفادة من مهاراتهم الحديثة، وحمايتهم من الاستقطاب لهذه الجماعات أو تلك.
سادساً: الانتقال من الاعتماد على الخارج، إلى مفهوم «الاكتفاء الاستراتيجي النسبي»، في الغذاء والطاقة، والاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة، في الذكاء الاصطناعي وثورة الاتصالات.
سابعاً: العمل على تفكيك الكيانات الموازية للدولة التي نشأت في ظل الحروب، وأصبحت تنافسها في القرار السيادي، سواء في الحرب أم السلم، أم العلاقات الخارجية.
ثامناً: ضرورة الاستفادة القصوى من الحداثة في المسألة السيبرانية والتكنولوجيا الجديدة،وذلك لحماية الأمن القومي العربي، خصوصاً مع التغير الكبير في أجيال الحروب.
تاسعاً: إعادة هندسة العلاقة مع القوى الدولية على أساس المصالح المتبادلة، مستفيدين من الموقع الجغرافي الاستراتيجي، الذي يربط قارات العالم.
عاشراً: الاستفادة من التجارب السابقة، في التمحور حول بناء نظام إنذار مبكر عربي، للأزمات السياسية والاقتصادية، التي تطرأ بسبب عوامل ليس للإقليم يد فيها.
حادي عشر: التأكيد على إصلاح جامعة الدول العربية، باعتبارها المؤسسة الجامعة للشعوب العربية، التي سبقت منظمة الأمم المتحدة نفسها، و نستطيع أن نجعلها مؤسسة قوية على الساحة الدولية، من خلال إصلاح هياكلها المؤسسية.
ثاني عشر: حماية الممرات والمضايق العربية من أي استغلال من قوى إقليمية أو دولية، والاستفادة من قانون البحار الصادر عن الأمم المتحدة عام 1982، والتأكيد على حرية المرور في الممرات والمضايق.
كما تنص القوانين والقواعد الدولية، ويجب في هذا السياق ضرورة حل القضية الفلسطينية، حلاً عادلاً وشاملاً، باعتبارها أصل الحكاية. أخيراً أقول إنه من دون التفكير خارج الصندوق، سيظل الإقليم يجدد الإقامة في الاستقرار الشائك.