السردية الوطنية.. سلاح الحقيقة

السردية في جوهرها هي القصة التي تمنح المعنى لسلسلة من الأحداث وتحوّلها من وقائع متفرقة إلى رواية متماسكة توجّه الفهم وتشكل المواقف، من يملك السردية يحدد كيف يُفهم الحدث قبل أن يبدأ تحليله.

بريطانيا في الحرب العالمية الثانية بنت سرديتها الوطنية حول خطابات تشرشل التي حوّلت شعباً يُقصف ليلاً إلى أمة تقاوم وتصنع من الحصار هوية. والاتحاد السوفييتي أنفق عقوداً في عمليات «التدابير الفعالة» التي زرعت روايات كاذبة في صحف العالم الثالث لتفتيت التحالف الغربي من الداخل من دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

ما تغيّر اليوم أن صناعة السردية المزيفة أصبحت أرخص وأسرع، مقاطع التزييف العميق قفزت من خمسمئة ألف مقطع عالمياً في 2023 إلى ثمانية ملايين في 2025، والذكاء الاصطناعي التوليدي أتاح لأي جهة مهما كانت صغيرة إنتاج فيديوهات وصور وتقارير مفبركة بتكلفة شبه معدومة تنتشر أسرع من التصحيح بعشر مرات وفقاً للباحثين.

في جلسة نظمها نادي دبي للصحافة حول إدارة السمعة والسردية الوطنية تشرفت بإدارتها هذا الأسبوع، وضع الكاتب والإعلامي، محمد الحمادي، الإطار الأدق لما جرى حين قال إن «الإمارات خاضت معركتين في وقت واحد، معركة ضد الصواريخ ومعركة ضد السرديات المفبركة والحملات المضللة، واجتازت الاختبارين».

فمنذ فبراير 2026 وبينما كانت منظومات الدفاع الجوي تتعامل مع أكثر من 2800 هجوم، كانت عناوين مضللة في صحف ومواقع عالمية تتسارع في رسم صورة اقتصادية قاتمة عن دبي والإمارات، والتكاتف المؤسسي كان الرد، الدبلوماسية الإماراتية حملت رسائل واضحة إلى العواصم الدولية فنّدت فيها الروايات المغلوطة بالأرقام والحقائق، والإعلام الوطني والمنظومة الاتصالية عملا كجبهة واحدة متناغمة، المكتب الإعلامي لحكومة دبي ردّ على ادعاءات ملفقة بكلمتين حاسمتين: «أخبار كاذبة»، رد قصير أنهى رواية كاملة، والاقتصاد ردّ بلغته، نمو بنسبة 5.6 في المئة خلال 2025 وتجارة خارجية بلغت ستة تريليونات درهم واستثمارات أجنبية مباشرة تجاوزت مئة وسبعة وستين مليار درهم.

الظاهرة الأبرز جاءت من المقيمين أنفسهم، آلاف منهم سجّلوا مقاطع عفوية على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهرون فيها حياتهم اليومية الطبيعية، يمشون على الشواطئ ويذهبون إلى أعمالهم ويعيشون إيقاعهم المعتاد، يفنّدون بذلك ما تنشره وسائل إعلام بلدانهم من عناوين تضخّم الأحداث أو تشوّه الواقع.

هؤلاء المقيمون من أكثر من مئتي جنسية اختاروا بعفوية أن يكونوا سفراء للحقيقة، وحين قال أحدهم «اخترنا هذا البلد ونقف معه» كان يختصر سردية وطنية بناها الواقع المعاش وتجربة الأمان اليومي.

مقيمون من عشرات الدول خاطبوا مجتمعاتهم بلغاتهم ومن داخل دوائرهم الرقمية، وهذا تحديداً ما تعجز عنه أي حملة رسمية، صوت حقيقي يصل إلى حيث تصل الشائعات ويدحضها من المصدر ذاته. هذا هو الفارق الجوهري بين سردية تُصنع في غرف عمليات التأثير وسردية تنبت عضوياً من تجربة يعيشها الناس كل يوم.

العناوين المضللة تكسّرت على جدار المؤشرات الدولية التي وضعتها المؤسسات الغربية ذاتها التي تنتمي إليها الصحافة التي هاجمت، الإمارات الخامسة عالمياً في التنافسية وفقاً لتصنيف معهد التنمية الإدارية السويسري، والعاشرة عالمياً في القوة الناعمة بقيمة علامة وطنية تجاوزت 1.2 تريليون دولار، والأكثر أماناً في العالم، والأولى عالمياً في ريادة الأعمال للسنة الرابعة على التوالي، والخامسة عشرة في التنمية البشرية وهي الدولة العربية الوحيدة ضمن العشرين الأوائل.

الحمادي أشار خلال الجلسة إلى نقطة جوهرية حين قال إنه كان يُسأل في المؤتمرات الدولية عن سبب هذا الحجم من صفقات الأسلحة والدفاعات، وجاءت هذه الحرب لتجيب عن السؤال، القيادة كانت تبني لسيناريو ما كان أحد يتخيله، والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى التي بدت حينها مبالغة أصبحت اليوم درع حماية حقيقية. هذه هي السردية في أعمق معانيها، رؤية تسبق الحدث وتستعد له قبل أن يقع.

بعد انتهاء الجلسة ونحن ننتظر وصول سياراتنا، قال لي حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة البيان، بعفوية: «سردية الحقيقة لا تُهزم»، جملة تحمل خلاصة المشهد بأسره. حسن نصرالله وصف يوماً دبي وأبوظبي بـ«المدن الزجاجية»، وهدد بتحطيمها، راهن على أن الأبراج والواجهات والرخاء ستجعل هذه الدول هشّة أمام أول اختبار حقيقي، جاء الاختبار الأقسى، وتبيّن أن خلف الزجاج منظومة دفاعية واقتصادية ومؤسسية وسردية وطنية صلبة ومتماسكة بنتها عقود طويلة من العمل والرؤية.

الحروب الجديدة تُحسم مرتين، مرة على الأرض ومرة في الوعي، والإمارات أثبتت أنها تملك أدوات الانتصار في الجبهتين معاً.