لماذا بات تأمين مضيق هرمز ضرورة دولية عاجلة؟

د. محمد إبراهيم الظاهري
د. محمد إبراهيم الظاهري
د. نضال شقير
د. نضال شقير

د. محمد إبراهيم الظاهري - د. نضال شقير

في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي بعيد عن أنظار الشعوب، بل تحوّل إلى شريان نابض يختصر هشاشة النظام الدولي بأسره. خلال الأسابيع الأخيرة، عاد هذا الممر الضيق إلى واجهة المشهد العالمي، لا كخبر عابر، بل كجرس إنذار يُذكّر العالم بأن استقراره قد يتوقف على بضعة كيلومترات من المياه المتوترة.

هنا، في هذا المضيق، لا تعبر فقط ناقلات النفط، بل تمرّ عبره طمأنينة الأسواق، واستقرار الدول، وأمن المجتمعات. وأي ارتباك في هذا الشريان الحيوي لا يبقى حبيس الجغرافيا، بل يمتد كصدمة صامتة إلى كل بيت، عبر ارتفاع الأسعار، واضطراب الإمدادات، وتآكل اليقين الاقتصادي.

مضيق هرمز: من ممر إقليمي إلى شريان للأمن العالمي

إن ما يجعل هذا الشريان الاستراتيجي اليوم أكثر من مجرد نقطة جيوسياسية، هو كونه مرآةً تعكس حدود قدرة العالم على حماية نفسه. وبين منطق الردع ومخاطر الانزلاق نحو التصعيد، يطفو سؤال مقلق: هل لا يزال المجتمع الدولي قادراً على التحرك في الوقت المناسب، أم أنه بات أسير ردود الفعل المتأخرة؟

من هنا، لم يعد تأمين مضيق هرمز خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة إنسانية واستراتيجية في آن معاً، تفرض على العالم أن يتحرك، لا فقط لحماية المصالح، بل لصون الاستقرار الذي يقوم عليه النظام الدولي برمّته.

فمن منّا لم يتأثر بما يجري في مضيق هرمز؟ من الشرق الأوسط إلى أوروبا، ومن أفريقيا إلى آسيا، وصولاً إلى الولايات المتحدة، لم يعد أحد بمنأى عن تداعيات هذا التوتر. لقد امتدت آثاره عملياً إلى الاقتصاد العالمي بأسره، لتؤكد أن أمن هذا الممر لم يعد قضية إقليمية، بل مسألة تمسّ استقرار العالم ككل.

وعلى أرض الواقع، لم يعد ما يجري في مضيق هرمز شأناً محلياً أو حتى إقليمياً، بل تحوّل إلى أزمة دولية مكتملة الأبعاد، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية للقوى الكبرى. فاستقرار هذا الممر لم يعد مرتبطاً بجغرافيا محددة، بل بات عنصراً حاسماً في معادلة الأمن العالمي.

وانطلاقاً من ذلك، يصبح من الضروري أن يتبنى المجتمع الدولي موقفاً موحّداً ومسؤولاً لتأمين هذا الشريان الحيوي، ليس فقط لاحتواء التوترات الراهنة، بل لضمان استمرارية الاستقرار العالمي. ويمكن إبراز ذلك من خلال مجموعة من الأسباب الاستراتيجية الرئيسية:

أزمة تتجاوز الجغرافيا: حين يتحمّل العالم كلفة الاختلال

أولاً، لأن أزمة مضيق هرمز لم تعد شأناً خليجياً بحتاً، بل تحوّلت إلى قضية دولية تمسّ توازنات الاقتصاد العالمي. فعلى الرغم من أن دول الخليج تبدو، للوهلة الأولى، الأكثر تأثراً بأي اضطراب في هذا الممر الحيوي، بحكم اعتمادها المباشر على تصدير الطاقة عبره، إلا أن الواقع الاستراتيجي يكشف صورة أكثر تعقيداً.

فهذه الدول، وعلى المديين المتوسط والبعيد، تمتلك القدرة على التكيّف، سواء عبر تنويع مسارات التصدير، أو تطوير بدائل لوجستية تقلّل من اعتمادها الحصري على المضيق.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة، وإن شكّل تحدياً مرحلياً، قد لا ينعكس بالضرورة بشكل سلبي مباشر على هذه الدول على المديين المتوسط والبعيد، في حين يتحمّل الاقتصاد العالمي الكلفة الأكبر لهذه التقلبات.

في المقابل، فإن التداعيات الأعمق لأي خلل في أمن مضيق هرمز تطال بشكل مباشر الاقتصادات الكبرى، التي تعتمد بشكل حيوي على استقرار تدفقات الطاقة والأسواق العالمية.

فتعطّل هذا الشريان لا يهدد فقط صادرات منطقة بعينها، بل يضرب في الصميم بنية الاقتصاد العالمي، ويضع القوى الصناعية الكبرى أمام تحديات غير مسبوقة.

وعليه، فإن اختزال أزمة مضيق هرمز في بعدها الإقليمي يُعد قراءة قاصرة، إذ إن حقيقتها تكمن في كونها أزمة عالمية بامتياز، تتطلب استجابة دولية جماعية تتجاوز الحسابات الجغرافية الضيقة.

من صراع دول إلى معاناة شعوب: الوجه الإنساني للأزمة

ثانياً، لأن أزمة مضيق هرمز لم تعد أزمة حكومات فحسب، بل تحوّلت إلى أزمة شعوب تمسّ الفئات الأكثر هشاشة في العالم. ففي حين تنشغل الدول بحسابات السياسة والردع، فإن التأثيرات الفعلية لأي اضطراب في هذا الممر الحيوي تنعكس مباشرة على حياة الأفراد، لا سيما في الدول الأكثر هشاشة اقتصادياً.

وقد تجلّت هذه التداعيات بشكل ملموس في عدد من الدول، حيث اضطرت حكومات إلى اتخاذ إجراءات تقشفية مثل تقنين الكهرباء في دول كـمصر وبنغلادش وتايلاند، نتيجة الضغوط المتزايدة على إمدادات الطاقة وارتفاع تكلفتها، في حين لا تظل الاقتصادات المتقدمة بمنأى عن هذه التأثيرات.

إذ تواجه دول مثل اليابان - رغم امتلاكها احتياطيات نفطية استراتيجية - مخاطر حقيقية ناجمة عن أي اضطراب في مضيق هرمز، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة عبر هذا الممر الحيوي، ما يعكس أن تهديد هذا الممر لا يقتصر على دول بعينها، بل يمتد ليطال الاستقرار العالمي بأسره.

فارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى رقماً في الأسواق، بل يتحوّل إلى موجات تضخّم تضرب القدرة الشرائية، وتُثقل كاهل الفئات ذات الدخل المحدود.

وفي هذا السياق، يكون المتضرر الأكبر هم الفئات الأكثر ضعفاً، التي تجد نفسها في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، من الغذاء إلى النقل، دون أي قدرة على التكيّف مع هذه الصدمات المتلاحقة. وهكذا، تتحوّل أزمة جيوسياسية في ممر مائي إلى أزمة معيشية عالمية، تمتد آثارها من العواصم الكبرى إلى أبسط المجتمعات.

إن تجاهل هذا البعد الإنساني يُعدّ تقصيراً في فهم عمق الأزمة، إذ إن استقرار مضيق هرمز لا يرتبط فقط بأمن الطاقة أو توازنات القوى، بل بأمن الإنسان نفسه. ومن هنا، فإن تأمين هذا الممر الحيوي يصبح ضرورة أخلاقية بقدر ما هو ضرورة استراتيجية.

ثالثاً، والأهم، لأن استمرار الوضع القائم في مضيق هرمز دون تدخل دولي فعّال يكرّس سابقة خطيرة في إدارة الأزمات العالمية. فالعجز عن ضمان أمن هذا الممر الحيوي لا يُفسَّر فقط كفشل ظرفي، بل كإقرار ضمني بقدرة فاعلين غير منضبطين على فرض معادلات قائمة على التهديد والابتزاز.

وقد تجلّى هذا العجز بوضوح في ظل الدعوات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحلفائه الأوروبيين والمجتمع الدولي للمساهمة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، والتي قوبلت بدرجات متفاوتة من التحفظ أو التقاعس، ما عكس غياب إرادة جماعية حاسمة في مواجهة التهديدات القائمة.

إن ترسيخ هذه المعادلة لا يقتصر على مضيق هرمز، بل يمتد ليُعيد تشكيل قواعد السلوك في النظام الدولي، حيث يصبح تعطيل الممرات الحيوية أداة ضغط بحكم الأمر الواقع. وفي هذا السياق، يتعرض القانون الدولي للتآكل التدريجي، وتُفتح أبواب الفوضى أمام سيناريوهات مماثلة في مناطق أخرى.

كما أن استمرار تقاعس القوى الدولية عن الاستجابة الجماعية لا يهدد فقط أمن الملاحة، بل يبعث برسائل سلبية إلى مختلف الفاعلين الدوليين بأن كلفة خرق القواعد الدولية قد تكون محدودة أو قابلة للاحتواء.

والأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الواقع يعني وضع الاقتصاد العالمي رهينة دائمة لحسابات غير مستقرة، ما يُضعف ثقة الأسواق ويقوّض أسس الاستقرار الدولي.

في المحصلة، لم يعد أمن مضيق هرمز مجرد ملف إقليمي، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على حماية أسس الاستقرار العالمي. فالعالم الذي يعجز عن تأمين أحد أهم شرايينه الاقتصادية، يبعث برسالة ضعف تتجاوز حدود الجغرافيا، وقد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات الدولية على أسس أكثر هشاشة وأقل التزاماً بمبادئ الأمن الجماعي.

لقد أثبتت التجارب أن تجاهل الأزمات في مراحلها الأولى لا يؤدي إلى احتوائها، بل إلى تعقيدها وتوسّعها. وكما قال الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان:

«الأمن الجماعي لا يمكن أن يكون انتقائياً». وهي مقولة تختصر جوهر التحدي اليوم، حيث لا يمكن ضمان استقرار العالم إذا تُركت ممراته الحيوية رهينة للتوترات أو الحسابات الضيقة.

وعليه، فإن تأمين مضيق هرمز لم يعد خياراً سياسياً أو قراراً ظرفياً، بل ضرورة استراتيجية وأخلاقية تفرض على القوى الدولية تحمّل مسؤولياتها بشكل جماعي. فاستمرار التقاعس لن ينعكس على طرف دون آخر، بل سيطال الجميع، من الاقتصادات الكبرى إلى الدول الأكثر هشاشة، في نظام دولي مترابط لا يمكن عزل تداعيات أزماته.

فإما أن ينجح العالم في فرض معادلة الاستقرار وسيادة القانون، أو يفتح المجال أمام منطق الفوضى الذي لا يعترف بحدود ولا يستثني أحداً من تداعياته.

د. محمد إبراهيم الظاهري، نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي

د. نضال شقير، أستاذ التواصل الاستراتيجي والعلاقات الحكومية في باريس