حين يمرض الأب... تُختبر قلوب الأبناء

رسالة إلى عبدالله...

أكتب لك هذه الرسالة وقلبـي مثقل بشيء لا أعرف كيف أصفه... لأن هناك أباً لكم زرته اليوم في العناية المركزة، بين صوت الأجهزة وصمت الدعاء، في مكانٍ تتعرّى فيه الحياة من كل شيء إلا الحقيقة.

هناك لا تبقى قوة ولا جدال ولا حسابات... يبقى فقط حب الأب لأبنائه، وانتظاره لهم بقلبٍ واحد.

ما دفعني للكتابة تدخّل ولا فضول، بل لأنني عشت معكم لحظات لا تُنسى، جلسنا معاً، وضحكنا معاً، ورأيت بعيني كيف كانت أرواحكم قريبة، وكيف كان حضوركم جميعاً يشبه العائلة التي لا يمكن أن يدخل بينها شيء. لذلك يؤلمني — كمن عرف تلك الأيام — أن أرى مسافة تنشأ بين قلوب أعرف كم كانت صافية.

الدنيا قصيرة أُخيّ، وأقسى شعور قد يعيشه الإنسان أن يجلس يوماً مع نفسه ويتمنى لو أنه بادر بالصلح ولم يفعل. المال والشركات والخلافات؛ كلها يمكن أن تُعوَّض، لكن الأخ لا يُعوَّض، والذكريات التي بين الإخوة لا يصنعها الزمن مرتين، فقط مرة واحدة.

أكتب لك لأنني أعرف طيب قلبك، وأعرف أن بينك وبين أخيك عمراً كاملاً لا يجوز أن تهزمه لحظة غضب، ولا نريد أن تتحول خلافات اليوم إلى ميراثٍ صامت ينتقل إلى الأبناء، فيكبرون وهم يحملون جداراً لم يبنوه بأيديهم.

تخيّل لو فتح والدك عينيه الآن في لحظة وعي قصيرة بين الألم والتعب، ماذا سيتمنى؟

هل سيتمنى مالاً؟ أم نجاح شركة؟ أم سيتمنى فقط أن يرى أبناءه متجاورين كما ربّاهم، قبل أن يطمئن قلبه؟

في العناية المركزة، الأمنيات تصبح بسيطة جداً... لكنها تكون أثقل من الجبال.

هناك لحظات في الحياة إن مرّت لا يمكن إصلاحها بعد ذلك مهما حاول الإنسان. لحظات تبقى ذكرى موجعة تعود في منتصف الليل، حين يسأل الإنسان نفسه: لماذا تأخرت؟ لماذا انتظرت هذا الوقت كلّه؟ لماذا لم أكن أنا الأرحم قلباً؟

صدقني... الإنسان لا يتعب من الخلاف بقدر ما يتعب من الندم بعد فوات الأوان.

قد تكون كلمة منك اليوم — مجرد كلمة — سبباً في راحة قلب أبيك أكثر من كل الأدوية والرعاية من حوله. وقد تكون هذه الخطوة الصغيرة هي الشيء الوحيد الذي لن تندم عليه أبداً مهما حدث بعد ذلك.

لا تجعل الشيطان يسرق منكم عمراً كاملاً من الأخوّة، ولا تجعل لحظة كهذه تمر دون أن تقول لنفسك «سأختار قلبي قبل موقفي». افعلها لأجل أبيك... ولأجل نفسك... ولأجل الأيام الجميلة التي عاشت بينكم ولا تستحق أن تنتهي بهذه القسوة.