الشقيقة كوريا

على مدى 46 عاماً، وتحديداً منذ 1980، ارتقت العلاقات بين الإمارات وكوريا عبر محطات مفصلية، وبثبات مدروس، وإرادة مشتركة، إلى أن وصلت اليوم إلى علاقة استراتيجية خاصة، وهي بمنزلة علاقة عضوية تتوحد فيها الرؤى وتتشابك الأهداف، وتتعاظم المصالح والمنافع على المستويات كافة، بحيث أصبح المردود متكافئاً ومتساوياً، لتكون كعلاقة الأشقاء لا توقفها صعوبات أو تحديات. ورغم انتماء كل منهما لثقافة مختلفة، ورغم البعد الجغرافي، إلا أنهما نموذجان متشابهان ناجحان يلتقيان في الرؤية والإنجازات والطموح، ما جعلهما أكثر قرباً إلى بعضهما.

ففي شرق آسيا تمثل كوريا قوة اقتصادية عالمية صاعدة تحولت إلى نموذج مذهل للنمو والازدهار والرفاه، وفي غرب آسيا ظهرت الإمارات نموذجاً مماثلاً في التطور والازدهار، وقبلة للشباب والاستثمارات من كل دول العالم، وتتمتع بقوة ناعمة مؤثرة على الساحة الدولية، وتمكنت الدولتان من إحداث التأثير التنموي في محيطهما الإقليمي وامتد إلى العالمي.

وينظر العالم اليوم إلى البلدين باعتبارهما نموذجين مثاليين في النمو ورفاه شعبيهما، حتى إنهما يتقاربان على مؤشرات التنافسية العالمية وجودة الحياة، ما يعكس نهجاً متماثلاً في خطط ومشاريع التنمية والازدهار.

مع هذا التماثل ومع توفر الإرادة لدى قيادتي البلدين وتشابه رؤيتهما للمستقبل، استطاع البلدان بناء روابط استثمارية تم تتويجها باتفاقية الشراكة الاستراتيجية الخاصة في 2018، لترفع حجم التبادل التجاري غير النفطي لأكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، عدا عن استثمار الإمارات 30 مليار دولار في قطاعات استراتيجية في كوريا.

كما يجسد مشروع براكة للطاقة النووية السلمية نموذجاً متميزاً لتعاون البلدين، ليس فقط من حيث قيمته المادية، بل أيضاً لأنه أول مشروع بناء محطات للطاقة النووية تنفذه كوريا في الخارج باستثمار قيمته 20 مليار دولار.

هذه الأحجام من الاستثمارات تؤشر لشيء واحد، هو أن علاقة البلدين ماضية إلى مستويات أقوى في تحقيق أهدافهما المشتركة في الازدهار، في ظل زيارات دورية متبادلة لقيادتي البلدين، وانعقاد لجان مشتركة لتنفيذ الرؤى وتعميق العلاقات ليكونا محوراً مهماً وقوة اقتصادية عالمية.

لقد أثبتت هذه العلاقة قوتها وصدقيتها في المواقف الواضحة التي تظهر في أوقات الأزمات، وتجلى ذلك بالموقف المبدئي قولاً وفعلاً لكوريا من العدوان الإيراني على الإمارات. والبلدان اليوم ليسا نموذجين في الشراكة فقط، بل نموذجان في صدق النوايا ومبدئية المواقف ووضوحها، وشفافية العلاقة بين شقيقين لا تفصلهما المسافات بقدر ما تجعل تأثيرهما الإيجابي أكبر وأوسع على الساحة الدولية.