الخليج الذي لا ينكسر

عام 1990 اجتاح صدام حسين الكويت فاكتشفت دول الخليج أن الجامعة العربية عاجزة، وأن التحرير لن يأتي من تضامن الأشقاء بل من تحالف دولي قادته واشنطن.

لكن الخليج لم يتوقف عند الصدمة، حوّلها إلى نقطة انطلاق، فاستثمر في تحديث دفاعاته وعمّق شراكاته الأمنية وأعاد بناء مجلس التعاون على أسس أكثر صلابة، وخرج بقناعة لم تتزعزع: في لحظات الأزمة لا يُعتمد إلا على القدرة والإرادة.

بعد ثلاث عشرة سنة جاء الاختبار الثاني، الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فتح فراغاً سارعت إيران لملئه بالميليشيات والنفوذ السياسي من بغداد إلى بيروت.

شاهدت دول الخليج تفكك دولة مجاورة، فاستقبلت اللاجئين وقدمت المليارات لإعادة الإعمار وحاولت احتواء الحرائق الطائفية، ومرة أخرى تحملت العبء وحدها وخرجت أكثر نضجاً وإدراكاً لطبيعة المنطقة.

الفترة الثالثة لم تكن حرباً لكنها كانت بالقدر نفسه من الخطورة، ففي عهد إدارة أوباما جرى التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني خلف ظهور حلفاء واشنطن في الخليج، وعوملت جماعة «الإخوان» باعتبارها شريكاً سياسياً مشروعاً، وأشار التحول الأمريكي نحو آسيا إلى أن المنطقة لم تعد الأولوية.

لم تسقط صواريخ لكن الضرر الاستراتيجي كان حقيقياً، فسرّعت الإمارات تحولها لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة والمال، وأطلقت السعودية رؤية 2030 لإعادة هندسة اقتصادها، ونوّعت دول الخليج مجتمعة علاقاتها الدبلوماسية واستثمرت في قدرات دفاعية ذاتية.

تعلّم الخليج في تلك المرحلة درساً جوهرياً: أن حتى أقرب الحلفاء يمكنه تغيير أولوياته دون سابق إنذار، وأن الاعتماد على الذات ضرورة وليس خياراً.

ما تغافل عنه كثيرون هو أن دول الخليج لم تكن منشغلة بنفسها فحسب، كانت الركيزة الاقتصادية والإنسانية للعالم العربي بأسره، خلال الستين عاماً الأخيرة قدّمت نحو 363 مليار دولار لاثنتين وعشرين دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفقاً لدراسة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وكنسبة من الدخل القومي الإجمالي تجاوزت باستمرار معدلات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

طرق بُنيت ومدارس مُوّلت واقتصادات استُقرّت وملايين العمال العرب وجدوا فرص عمل أبقت تحويلاتهم اقتصادات بأكملها قائمة.

المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قال: «الغني يجب أن يساعد الفقير، والله العلي القدير منحنا هذه الثروة لتطوير بلادنا، وفي الوقت نفسه للمساهمة في تطوير الدول الأخرى»، هذه الفلسفة حكمت سلوك دول الخليج عبر عقود، لكن التضامن بطبيعته يسير في اتجاهين، وفي ساعة الخليج الأشد حاجة منذ عام 1990 كان الصمت من زوايا كثيرة في العالم العربي والإسلامي مدوياً.

اليوم يقف الخليج أمام اختباره الرابع وربما الأشد، منذ 28 فبراير 2026 استُهدفت جميع دول مجلس التعاون الست بصواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية للمرة الأولى في التاريخ، ضُربت منشآت الطاقة وتضررت مبانٍ سكنية ، وسقط مدنيون بين قتيل وجريح، وأُغلق مضيق هرمز فعلياً.

دول الخليج لم تبدأ هذه الحرب ولم تسعَ إليها، عُمان كانت تتوسط في مفاوضات وصفها وزير خارجيتها بأن السلام «في المتناول»، وأمير قطر سعى جاهداً لدى واشنطن لمنع استخدام قواعد خليجية ضد إيران، اعتذر الرئيس بزشكيان ثم ضرب الحرس الثوري مجدداً، وزعمت طهران أنها تستهدف أصولاً أمريكية فأصابت محطات غاز ومصافي نفط ومطارات ومنازل.

التاريخ يشير إلى أن الخليج سيخرج من هذه الأزمة كما خرج من كل أزمة سبقتها: أكثر اعتماداً على الذات وأكثر نضجاً استراتيجياً وأكثر تصميماً على التحكم في مصيره.

نموذج الدعم غير المشروط للعالم العربي سيُعاد فيه النظر جذرياً، ستكون هناك استراتيجيات مختلفة وأولويات مختلفة، والدول والمؤسسات التي صمتت، بينما كانت الصواريخ الإيرانية تضرب مدن الخليج ستجد أن الذاكرة الاستراتيجية الخليجية طويلة، وأن شراكات المستقبل ستعكس دروس هذه اللحظة.

مرّت دول الخليج بالنار من قبل: غزو الكويت، وفوضى حرب العراق، والإهمال الاستراتيجي في عهد أوباما، والآن الاعتداءات الإيرانية السافرة في كل مرة تنبأ الرأي السائد بالتراجع، وفي كل مرة أثبت الخليج خطأ المشككين.

ستعود الرافعات إلى الأفق وستُصلّح المصافي وسيتدفق مضيق هرمز مجدداً، لكن ما لن يعود كما كان هو فهم الخليج للعالم من حوله، ما سيحلّ مكانه خليج يستثمر في نفسه أولاً، ويختار شركاءه بناء على موثوقية مُثبتة، ويبني مستقبله على يقين قدراته. النار حقيقية، لكن الفولاذ الذي تصنعه أيضاً حقيقي.