لم يعد الأمر خافياً على أحد؛ السوشيال ميديا، كما هي عامرة بالفوائد والمنافع، فهي متخمة بالسموم القاتلة. ورغم أن معدلات الوعي بين المستخدمين أصبحت أعلى وأفضل مما كانت عليه.
وذلك فيما يختص بالأخبار الكاذبة، والمعلومات المضللة، والحسابات الوهمية، واللجان والجيوش الإلكترونية وغيرها، إلا أن معدلات الوقوع في قبضة وأسر هذه السموم مقلقة.
الحرب الحالية العابرة للحدود متشعبة الآثار، متشابكة المصالح، والمرشحة إما لمزيد من الاتساع أو للتوقف في حال تم الاحتكام ولو لحد أدنى من المنطق، أظهرت أن العصر الرقمي ما زال لديه الكثير ليقدمه، وكذلك لينتقصه منا، ومن سلامتنا الجسدية والنفسية، وأمننا وأماننا.
تظل شبكة الإنترنت وتطبيقاتها ومنصاتها وأدواتها الرقمية المختلفة من أعظم ابتكارات القرنين الـ20 والـ21، لا جدال في ذلك، لكنها أيضاً تصر على الكشف عن وجوه بالغة القبح والشر، تكشف عن نفسها عبر كم مذهل من السموم تسري على مدار الساعة، تبدو وكأنها تدوينات وتغريدات وفيديوهات يصنعها أو يشاركها أفراد عاديون بهدف الإخبار أو التشارك أو النقاش، لكنها في حقيقة الأمر تهدف إلى بث الفتنة والفرقة والكراهية والعداء، وكان المشهد في حاجة إلى المزيد.
أخفها وطأة تلك الصور والفيديوهات المصنوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تصنع أخباراً لم تحدث، وتنقل آراء ومواقف لم يدل بها، وتشيع كراهية وبغضاء لا وجود لها على أرض الواقع، فقط في أدمغة صانعيها ومروجيها، أو من يكلفهم بذلك، سواء كانوا أفراداً أم جماعات أم دولاً.
قبل ساعات، قالت منصة «إكس» إنها تنوي منع المستخدمين من تحقيق أرباح في حال نشروا مقاطع فيديو حربية يتم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهذه خطوة جيدة، لكن الطوفان هادر.
والمؤسف أن المسألة لا تقتصر على بروباغاندا حروب، أو شحذ الروح المعنوية ولو عبر أخبار مغلوطة أو فيديوهات قديمة أو غير حقيقية، لكن الأمر تطور إلى جهود مضنية وأموال باهظة «تستثمر» من أجل تزييف الوعي، وبث الفتنة سواء بين أبناء الدولة الواحدة، أو بينهم وبين غيرهم من الشعوب والدول.
الحرب الدائرة أدت إلى حرب رقمية طاحنة ذات جبهات متعددة. فمن جهة، هناك جبهة حرب معلوماتية ضخمة على هامش الضربات العسكرية، وجزء معتبر منها إما مضلل أو خالط للحقيقة بالخيال.
الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية والفيديوهات غير الحقيقية أو القديمة أو المصنوعة بالذكاء الاصطناعي صارت أكثر تقدماً وقدرة على إقناع المتلقي بأنها الحقيقة، وهي تؤثر سلباً في الصراع الدائر، إذ تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب، وتحمل تحريضاً كامناً على العنف والكراهية، إن لم يكن فعلياً، فنفسياً.
على مدار حلقات المواجهة بين إيران وإسرائيل، وبين إسرائيل وغزة، وبين إسرائيل ولبنان وغيرها على مدار السنوات السابقة، والمحاولات تبذل للتوعية فيما يختص بالمعلومات المضللة والأكاذيب الرقمية.
هذه الحلقة من الصراع ليست كغيرها، فإضافة إلى اتساع رقعتها، حيث تجري محاولات الزج بأكبر عدد ممكن من دول المنطقة، و«جر رجلها» لمواجهات هي في غنى عنها، بل وبُذلت جهود مضنية على مدار عقود لنزع فتيلها، فإنها تأتي مصحوبة بمحتوى ممنهج بغرض الفتنة والإضعاف واتساع قاعدة الكراهية وانعدام الثقة.
المواجهة ليست تصدياً لصواريخ ومسيرات معادية فقط، لكنها وقاية وحماية وتمكين المستخدمين من الوعي اللازم للتصدي لهذه البيئة الرقمية المليئة بالسموم، والتحيز الخوارزمي المعزز للاستقطاب ونشر الكراهية وتزييف الحقائق.
الخطوة التي أعلنت عنها «إكس» جيدة، لكنها لا تكفي. وغيرها من إجراءات الحماية على بقية المنصات أيضاً لا يغني عن الوعي الفردي والوطني. الحرب الدائرة في المنطقة خطيرة، لكن الحرب الدائرة على المنصات الرقمية لا تقل خطورة، بل قد تفوقها. الأولى ستنتهي بشكل أو بآخر، أما الثانية، فآثارها باقية.
تزييف الوعي وغرس الكراهية ونثر السموم رقمياً هو خطاب محفز على العنف المستمر في الواقع، والصدمات النفسية، وتفكك المجتمعات العميق، وهذا يمهد الطريق أمام المزيد من الانجراف في حلقة العنف المفرغة.
المطلوب مضاعفة وعي الأفراد أثناء التجوال الرقمي، لا سيما في مثل تلك الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة والعالم.