أتذكر صلح وستفاليا عام 1648، الذي صاغ مفهوم الدولة القومية التي نعيش في ظلالها إلى اليوم، بعد أن جلس المتحاربون معاً عقب ثلاثين عاماً من الاقتتال الطائفي، وتم تقسيم العالم إلى دول وممالك يجب ألا يتم اجتيازها تحت أي ظرف، وتطامن العالم آنذاك إلى صلح وستفاليا.
ذلك الذي كان البذرة الأولى للقانون الدولي والشرعية الدولية، وقوانين الدبلوماسية، وصولاً إلى صياغة عصبة الأمم، والأمم المتحدة، وما نعيشه إلى اليوم، لكنه يتهشم ويتمزق الآن.
وباتت الخرائط في حاجة إلى وستفاليا جديدة تعيد تقسيم العالم على أسس شرعية جديدة، دون الإخلال بمفهوم الأمم المغايرة أو المختلفة عن بعضها بعضاً، فالغابة لا تتكون من شجرة واحدة.
ودعمت إسرائيل على حساب بقية شعوب المنطقة، وجعلتها أقوى عسكرياً من كل هذه الشعوب مجتمعة، ما جاء في كتاب إيفلاند، هو نفسه الآن الذي يدور في الشرق الأوسط والعالم، فقد اتسعت الرواية الأمريكية لتشمل دول العالم، وتعود به إلى ما قبل الاتفاقيات الدولية، وإذا كان المؤلف الأمريكي تكلم عن الإخفاقات لهذه الفلسفة في الماضي.
فالآن بات لزاماً استدعاء رؤية هذا المؤلف للحديث عن هذا المشهد، فحبال العالم باتت تفتل من رمال بالفعل، أي أنه من المستحيل أن تصبح حبالاً حقيقية، وكما نقول في أمثالنا الشعبية، حبال واهنة.
وكذلك الاندفاع إلى تغيير نمط القوانين الثنائية بين الدول يتداعى، ولنفكر معاً في مصير مئات الاتفاقيات الدولية حول التجارة الحرة ورسوم الجمارك، فقد تتخذ دولة معينة من طرف واحد قوانين تعارض مثل هذه الاتفاقيات، وبالتالي تتعطل الممرات والبحار وحركة الملاحة بين الدول، ما يشكل عبئاً على الاقتصاد العالمي.
وهذا يدفعنا إلى استدعاء الفشل الذي رافق رؤية الولايات المتحدة الأمريكية للشرق الأوسط خلال سنوات الخمسينيات حتى الثمانينيات، تلك الفترة التي كان خلالها مؤلف كتاب «حبال من رمال» في قلب الكواليس، وصانع الصراعات، وشاهداً على كيف أخفقت أمريكا في صناعة المستقبل، لكنها بدلاً من ذلك عمدت إلى تغيير الأنظمة والمجتمعات بالقوة الخشنة والناعمة، حسب الظروف، واعترفت أنها حولت المنطقة إلى حالة سيولة.
لقد تجاوزت فلسفة الحبال التي أصبحت من الرمال حداً خطيراً، إلى الدرجة التي يمكن معها تحول الممرات البحرية وخطوط التجارة إلى ملكية خاصة لقوة واحدة أو اثنتين أو ثلاث.
وفي هذه الحالة يصبح العالم على فوهة بركان، يستعيد ما قبل وستفاليا، عندما كانت تشن الحروب من قبل إمبراطوريات مقدسة، وتتوسع وتحتل، وتعتبر أن كل ما يقع تحت أيديها ملكاً لها، وجزءاً من الإمبراطورية، وتلك حالة ماضية تبدو استعادتها ليست خطيرة بالمعنى النظري، إنما تعد خطوة للمشهد الختامي.
فالذين يؤمنون بهذه الفلسفة يمتلكون أسلحة نووية، وأسلحة كيميائية، وأسلحة كهرومغناطيسية، والأخيرة خطيرة جداً جداً، وقد استخدمتها أمريكا في موقعة فنزويلا، في أوائل يناير الماضي، وقد اعترف الرئيس ترامب بأن لدى أمريكا أسلحة لا يعرف بها أحد من العالم، ومن ثم فإن العالم بات رهينة لهذه الفلسفة.
وهذه الأسلحة إذا ما انطلقت رصاصة واحدة من أي قوة، فإن العالم سيتلاشى، ولن يلحق حتى بعالم ما قبل وستفاليا. إننا بالفعل نعيش الحبال المصنوعة من الرمال، التي لا يمكن الصعود بها، والدليل تصريحات مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة الأمريكية في إسرائيل الذي يعود بنا ما قبل العالم بآلاف السنين، حيث كانت الإغارة على الآمنين نمطاً شرعياً.