أجواء وستفاليا

ثمة عالم جديد يبحث عن هوية، يمر بمنعطفات خطيرة في لحظة استثنائية دقيقة، غابت أوتاد القوانين والمواثيق الدولية، اختفت نظرية القطب الواحد، ولم تكتمل نظرية الأقطاب المتعددة بعد، لم تعد فلسفة «لعبة الأمم» صالحة لركض الخرائط في دائرة مفرغة، ولم تعد لعبة الاستحواذ الحالية مكتملة الأركان.

السيولة عنوان المرحلة، المحيطات والبحار لم تعد تنزعج من مرور البوارج والسفن وحاملات الطائرات، فقد اعتادت المشهد، لغة القوة تفرض قواعد جديدة، البقاء لم يعد بالضرورة للأصلح، صراع القوى الكبرى حول محيطها بات «ماراثون» استراتيجياً تتقاسمه القوى الكبرى من دون حق كتابي.

أتذكر صلح وستفاليا عام 1648، الذي صاغ مفهوم الدولة القومية التي نعيش في ظلالها إلى اليوم، بعد أن جلس المتحاربون معاً عقب ثلاثين عاماً من الاقتتال الطائفي، وتم تقسيم العالم إلى دول وممالك يجب ألا يتم اجتيازها تحت أي ظرف، وتطامن العالم آنذاك إلى صلح وستفاليا.

ذلك الذي كان البذرة الأولى للقانون الدولي والشرعية الدولية، وقوانين الدبلوماسية، وصولاً إلى صياغة عصبة الأمم، والأمم المتحدة، وما نعيشه إلى اليوم، لكنه يتهشم ويتمزق الآن.

وباتت الخرائط في حاجة إلى وستفاليا جديدة تعيد تقسيم العالم على أسس شرعية جديدة، دون الإخلال بمفهوم الأمم المغايرة أو المختلفة عن بعضها بعضاً، فالغابة لا تتكون من شجرة واحدة.

المشهد العالمي قاسٍ بكل تفاصيله، أعتى مراكز الأبحاث الدراسات السياسية لا يمكنها التنبؤ بالخطوة التالية في المجتمع الدولي، الثابت أن العالم يقف على أرض رخوة، أتذكر هنا كتاب «حبال من رمل» لمؤلفه ضابط المخابرات الأمريكية، ويلبر كرين إيفلاند، الذي عالج الإخفاقات الأمريكية في الشرق الأوسط، الذي تحول إلى ساحة صراع أفشلت المجتمعات المقيمة عليه، وتسببت في انهيار خرائط، وصعود أخرى.

ودعمت إسرائيل على حساب بقية شعوب المنطقة، وجعلتها أقوى عسكرياً من كل هذه الشعوب مجتمعة، ما جاء في كتاب إيفلاند، هو نفسه الآن الذي يدور في الشرق الأوسط والعالم، فقد اتسعت الرواية الأمريكية لتشمل دول العالم، وتعود به إلى ما قبل الاتفاقيات الدولية، وإذا كان المؤلف الأمريكي تكلم عن الإخفاقات لهذه الفلسفة في الماضي.

فالآن بات لزاماً استدعاء رؤية هذا المؤلف للحديث عن هذا المشهد، فحبال العالم باتت تفتل من رمال بالفعل، أي أنه من المستحيل أن تصبح حبالاً حقيقية، وكما نقول في أمثالنا الشعبية، حبال واهنة.

ما الذي يجري بالفعل إزاء هذا المشهد؟ وما شكل العالم الجديد؟ وأي فلسفة ينتهجها العالم الآن؟ أعتقد أن العالم القديم أصابه الوهن، ولم يعد الإصلاح مفيداً له، فكل اتفاقيات البحار والمرور فيها من الماضي.

وكذلك الاندفاع إلى تغيير نمط القوانين الثنائية بين الدول يتداعى، ولنفكر معاً في مصير مئات الاتفاقيات الدولية حول التجارة الحرة ورسوم الجمارك، فقد تتخذ دولة معينة من طرف واحد قوانين تعارض مثل هذه الاتفاقيات، وبالتالي تتعطل الممرات والبحار وحركة الملاحة بين الدول، ما يشكل عبئاً على الاقتصاد العالمي.

ولا شك أن هذا يعد احتكاراً للسياسة والاقتصاد، نتج عن فائض القوة، وما دام هناك من ينتهج سياسة «سلام القوة»، فلن يحدث استقرار دولي، على المديين، المتوسط والبعيد، بل إن هذه السياسات تؤسس لفوضى وحروب ضارية، بل نعايش الآن بالفعل مفهوم الحبال المصنوعة من الرمال، فكل قوة عالمية تمتلك فائض قوة تفكر صراحة في اجتياح ما تراه من مناطق رخوة.

وهذا يدفعنا إلى استدعاء الفشل الذي رافق رؤية الولايات المتحدة الأمريكية للشرق الأوسط خلال سنوات الخمسينيات حتى الثمانينيات، تلك الفترة التي كان خلالها مؤلف كتاب «حبال من رمال» في قلب الكواليس، وصانع الصراعات، وشاهداً على كيف أخفقت أمريكا في صناعة المستقبل، لكنها بدلاً من ذلك عمدت إلى تغيير الأنظمة والمجتمعات بالقوة الخشنة والناعمة، حسب الظروف، واعترفت أنها حولت المنطقة إلى حالة سيولة.

والآن تعيش الخرائط حالة تعميم لهذا المفهوم الخطير الذي - دون شك - سينهي الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وما تفرع عنهما، من محاكم دولية أو منظمات أخرى، تساعد فيما يسمى المجتمع الدولي المستقر،.

لقد تجاوزت فلسفة الحبال التي أصبحت من الرمال حداً خطيراً، إلى الدرجة التي يمكن معها تحول الممرات البحرية وخطوط التجارة إلى ملكية خاصة لقوة واحدة أو اثنتين أو ثلاث.

وفي هذه الحالة يصبح العالم على فوهة بركان، يستعيد ما قبل وستفاليا، عندما كانت تشن الحروب من قبل إمبراطوريات مقدسة، وتتوسع وتحتل، وتعتبر أن كل ما يقع تحت أيديها ملكاً لها، وجزءاً من الإمبراطورية، وتلك حالة ماضية تبدو استعادتها ليست خطيرة بالمعنى النظري، إنما تعد خطوة للمشهد الختامي.

فالذين يؤمنون بهذه الفلسفة يمتلكون أسلحة نووية، وأسلحة كيميائية، وأسلحة كهرومغناطيسية، والأخيرة خطيرة جداً جداً، وقد استخدمتها أمريكا في موقعة فنزويلا، في أوائل يناير الماضي، وقد اعترف الرئيس ترامب بأن لدى أمريكا أسلحة لا يعرف بها أحد من العالم، ومن ثم فإن العالم بات رهينة لهذه الفلسفة.

وهذه الأسلحة إذا ما انطلقت رصاصة واحدة من أي قوة، فإن العالم سيتلاشى، ولن يلحق حتى بعالم ما قبل وستفاليا. إننا بالفعل نعيش الحبال المصنوعة من الرمال، التي لا يمكن الصعود بها، والدليل تصريحات مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة الأمريكية في إسرائيل الذي يعود بنا ما قبل العالم بآلاف السنين، حيث كانت الإغارة على الآمنين نمطاً شرعياً.