صُفدت الشياطين فمن يصفد هؤلاء؟

أقبل شهر رمضان المبارك، بنسماته الإيمانية، ونفحاته الربانية، مفعماً بقيم التراحم والتسامح والسمو بالنفس، وهو محطة سنوية، يجد فيها المسلم فرصة لمراجعة الذات، وتقويم السلوك، وتهذيب اللسان، وحبسها عن اللغو والإساءة والعدوان.

فشهر رمضان الكريم مدرسة أخلاقية كبرى، حيث تصفد فيه مردة الشياطين، وتفتح فيه أبواب الرحمة، وتتجلى فيه أسمى معاني الإنسانية في البذل والعطاء، والكلمة الطيبة التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.

وبينما ينشغل المتنافسون بالعبادة والتقرب إلى الله في شهر رمضان، نلحظ في الفضاء الرقمي فئات أخرى، اختارت أن تسير في الاتجاه المعاكس تماماً، فبدلاً من اغتنام حرمة الزمان لتطهير القلوب والارتقاء بالنفوس والتنافس في الخيرات، انبرى هؤلاء يملؤون منصات التواصل الاجتماعي ضجيجاً وتحريضاً وعدواناً على الآخرين، يبثون من خلال حساباتها المسمومة سموم الافتراء والبهتان، متجاوزين كل الخطوط الحمراء في التعدي على الآخرين.

وتشويه سمعة الدول والشعوب، وهذا التناقض الصارخ بين قدسية الشهر، وانحطاط ممارسة هؤلاء، يكشف بوضوح عن سوء معادنهم، وفساد ضمائرهم، ويؤكد أن الفجور في الخصومة قد بلغ مداه عند هؤلاء، الذين لم يردعهم دين ولا خلق.

إن هؤلاء المحرضين، الذين يتخذون من «الغاية تبرر الوسيلة» نهجاً لعدوانهم، قد تجردوا من أدنى معايير الأمانة والمهنية، فاحترفوا صنعة الكذب والافتراء، وتزييف الحقائق، لخدمة أجنداتهم المشبوهة، مستخدمين شتى الوسائل في سبيل ذلك، ابتداء من خلق الأخبار والوقائع المزيفة التي لا أساس لها، مروراً باجتزاء التصريحات، وإخراجها من سياقاتها، وتحريف المواقف، وتفسيرها وفق أفهامهم المريضة، والمتاجرة بالأزمات، متوهمين أن أكاذيبهم وعمليات تزييفهم قادرة على حجب شموس الحقيقة، وما محاولاتهم البائسة للنيل من دولة الإمارات، عبر الأكاذيب والافتراءات، إلا دليل على إفلاسهم الفكري، وانحطاطهم الأخلاقي.

ومن أسوأ ما ينتج من صنيع هؤلاء، هو نشر نموذج قبيح للسلوك المتردي، والانحطاط البشري، الذي يضرب بالقيم عرض الحائط، ويقدم الفجور في الخصومة كمنهجٍ مقبول، منهج يقوم على البذاءة والافتراء والبغي والبهتان.

وهذا الانحدار السلوكي الذي يمارسه هؤلاء، خاصة في شهر رمضان، هو أكبر دليل على إفلاسهم القيمي، ووقوعهم في مستنقعات البلطجة الرقمية.

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، بأن الشياطين تصفد في هذا الشهر الفضيل، والسؤال الذي يفرض نفسه: من يصفد شياطين الإنس، الذين لا يراعون حرمة لرمضان، ولا كرامة لإنسان؟

إن الإجابة تكمن في قوة القانون، فما يوقف هؤلاء عند حدودهم، هو وجود تشريعات حازمة، تجرم أفعالهم المشينة، وتضبط فوضى الفضاء الإلكتروني، ومثل هذه القوانين في الدول، هي ضرورة عالمية عصرية، يمنع العبث بمقدرات الأوطان، ويحرم أولئك المعتدين من أي مساحة لهم في أي مكان لبث سمومهم، وقد كانت دولة الإمارات سباقة لهذا.

حيث تجلت رؤيتها الاستباقية في سن قوانين حديثة لمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، وخطابات الكراهية والتحريض، مدركةً منذ وقت مبكر، أن الأمن الرقمي هو جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني، وهو ضمان لصيانة الفضاء الرقمي من عبث العابثين.

إن تجفيف منابع التحريض ضد الدول عبر الفضاء الإلكتروني، مسؤولية عالمية، تتطلب تضافراً دولياً، وتنسيقاً تشريعياً عالمياً، عبر وضع مواثيق أخلاقية وقانونية، تلزم الجميع باحترام سيادة الدول وكرامة الشعوب، وتضع حداً لأي انفلات يتخذ من حرية التعبير أو أي ذرائع أخرى، ستاراً لنشر الفوضى والفتن.

وعلى الرغم من كل ذلك الضجيج الذي يحدثه المحرضون في مواقع التواصل الاجتماعي وغيره، فإن كيدهم ضعيف، وما يقومون به في الواقع كبيت العنكبوت، لأنه قائم على الأكاذيب والافتراءات، فهي مجرد فقاعات من الوهم، تتلاشى أمام وعي المجتمعات، الذي يمثل ترياقاً ناجعاً لإبطال مفعول هذه السموم، سموم التحريض والبهتان، ومنع انتشار عدواها الفكرية الآسنة.

إن دولة الإمارات، بحمد الله تعالى، نموذج ملهم في ريادتها التنموية، وقوانينها التشريعية التي تصون أمنها، وتقطع الطريق أمام كل من تسول له نفسه نشر أي خطاب تحريضي ضدها أو ضد غيرها، لتكون واحة أمن وازدهار، ومنارة ساطعة بالتشريعات الرائدة، والقيم الحضارية المشرقة.