ينتظر العالم العربي بفارغ الصبر ما سيؤول إليه الوضع في غزة. لم يعد مجرد قطاع يتعرض للحرب والدمار والحصار كل بضعة أشهر، أو مثار شد وجذب بين قوى فلسطينية تختلف فيما بينها على من يدير ماذا، حتى لو كان على حساب ملايين الفلسطينيين الذين لا يعني أغلبهم أيديولوجيا من يحكمهم، بقدر ما يعنيهم بقاءهم على قيد الحياة على أرضهم.
يعي الشارع العربي أن صعوبة الوضع الراهن لا تقتصر على غزة وحدها، بل الأمر يتعلق بالمنطقة برمتها. الجميع يتابع مرحلة عض الأصابع بين أمريكا وإيران، ومصير حزب الله، وأثر ذلك على لبنان، والوضع في اليمن، وما يجري في العراق وكذلك السودان وليبيا. كما يعي أن القضية الفلسطينية لم تعد «قضية»، بل قضايا.
الشرق الأوسط يعاد تشكيله منذ زمن، لكن سرعة التشكيل زائدة منذ عملية السابع من أكتوبر 2023. كانت أشبه بالمواد التي تسرع العمليات الكيميائية في المعمل. عملية التشكيل تدور حالياً على قدم وساق، والفرصة أمام العرب ما زالت سانحة لتعظيم الفوائد وتقليص الخسائر. ليتنا نتعلم من الآخرين، بما في ذلك أعدائنا، صفة أو ملكة اغتنام وانتهاز الفرص التاريخية لتحقيق مصالحنا.
صحيح أن الأحوال في عدد غير قليل من الدول العربية ليست على ما يرام، فالسودان وليبيا واليمن ما زالت تتجرع مرارة الحروب والصراعات الداخلية، وسوريا لم تتعاف بعد، وما زالت تتدبر إدارة ألغامها الداخلية، والعراق يعاني أزمات سياسية واقتصادية ومناخية، والصومال «على كف عفريت»، والقائمة طويلة، إلا أن عملية التشكيل الجارية تتطلب حضوراً عربياً وجبهة موحدة ورؤية حكيمة، فالفرص المتاحة اليوم قد لا تتاح غداً، وكما يقول الإنجليز أن ما تم عمله لا يمكن التراجع عنه، إلا بشق الأنفس، وقد تعبت الأنفس كثيراً.
الانتصارات أو الإنجازات المتفرقة التي تتحقق على الأرض عظيمة ومهمة، لكنها وحدها لا تكفي. فبين اعترافات من دول عدة بفلسطين، واتجاه اليمن للاستقرار، ووقف إطلاق النار في غزة (رغم تكرار حدوث خروقات)، وخطوات تتخذ نحو الإعمار، وتواتر التبرعات العربية من أجل المساهمة في مد يد الإنسانية لغزة وأهلها ووقايتهم شرور التهجير، القسري وما بدا إنه طوعي، جميعها خطوات جيدة وإيجابية، لكن لا تضمن شرق أوسط جديد فيه الحد الأدنى من ضمان صالح العرب، أو فلنقل شرق أوسط سلامه مستدام، وفرصه نحو التنمية والخروج من عثرات الحروب والصراعات والقلاقل المزمنة مضمونة أو جيدة.
لا نملك رفاهية المحاسبة الآن على ما فات من فرص ضائعة، أو تصرفات طائشة، أو انقسامات كان في الإمكان تجنبها. الظروف الراهنة صعبة بما يكفي للجميع، لكنها في الوقت نفسه تمنحنا فرصة جديدة في لحظة بالغة الخطورة. فإما الانزلاق نحو المزيد من العنف والعزلة، وهو انزلاق سيطال الجميع، بما في ذلك الدول غير الضالعة في صراعات بشكل مباشر، وإما تحكيم العقل والمنطق ومصالح الشعوب، وتحقيق قفزة عربية «جماعية» صوب شرق أوسط «صديق للإنسان».
هل العرب قادرون على صياغة رؤية واضحة موحدة للمنطقة، ومستقبلها؟ هل يلوح أمل في احتواء الخلافات وتغليب كفة المصالح على الاختلافات لتحقيق العبور الآمن واقتناص الفرصة، رغم صعوبتها، ورغم صوت طبول الحرب التي تقرعها أمريكا فيما يختص بإيران؟
الشرق الأوسط الجديد ليس فقط حرباً على الخرائط، وأكبر من تكهنات وتساؤلات حول كونه مؤامرة أم ضرورة تاريخية أم نتيجة حتمية لتشرذمات وإخفاقات عمرها عقود. إنه إعادة صياغة لتوازنات المنطقة وتحالفاتها. من يتجاهله، سيتجاهله التاريخ والجغرافيا والاقتصاد. ومن يكتفي المشاهدة دون الاشتباك، سيظل في مقاعد المتفرجين دون دور يذكر.
مرة أخرى، الشرق الأوسط الجديد واقع جارٍ تشكيله بسرعة رهيبة. والفرص المتاحة للعرب صعبة، لكن ليست مستحيلة. المطلوب رؤية جريئة، ومنظور استباقي، وإعادة ترتيب الأولويات لتكون اقتناص الفرصة على رأس القائمة.
الفرص التاريخية لا تأت كثيراً، وأحياناً لا تأت من الأصل. فإما إرادة قوية، وطموح جريء، ونأي للخلافات العربية جانباً ولو مؤقتاً، واقتناص الفرصة للمشاركة في صياغة النظام الجديد، أو الجميع خاسرون.