في مطار اعتاد العالم أن يقيس أداءه بالأرقام، أصبحنا نقيس نجاحنا اليوم بالاستمرارية، فحين يستقبل مطار دبي الدولي 95.2 مليون مسافر في عام واحد، لا تكون المفاجأة في الرقم بحد ذاته، بل في أن هذا الرقم لم يعد استثناء، حيث تحول التميز إلى نسق اعتيادي وفترات الذروة إلى إيقاع يومي نعيشه يوماً بعد يوم.
تعرف كثير من المطارات العالمية إنجازاتها بلحظة قياسية واحدة، بيوم غير مسبوق أو موسم استثنائي، أما في مطار دبي الدولي فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد بلوغ الرقم القياسي الجديد، إذ نبدأ فوراً في التخطيط لبلوغ قمم أخرى، وتحقيق المزيد من الإنجازات.
هذه الفلسفة البليغة ليست مجرد سياسة تشغيلية فحسب، بل هي انعكاس مباشر لنهج قيادي رسخه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي لم ينظر أبداً للمركز الأول على أنه نهاية الطريق، بل نقطة انطلاق جديدة نحو هدف جديد.
في مطار دبي الدولي لم يكن 2025 عاماً قياسياً لأنه شهد ذروة واحدة، بل لأنه عكس إمكاناتنا الكبيرة، وقدرتنا على العمل بطاقتنا القصوى على مدار العام، وبدون أن تنعكس الكثافة على تجربة المسافر.
إن النجاح الحقيقي بالنسبة لنا يتعدى حدود الأرقام إلى تجربة المسافرين، فضيوفنا لا يرون الأرقام ولا مخططاتنا التشغيلية، بل ينعمون برحلات سلسة وإجراءات ميسرة ووقت انتظار قصير، وهنا تحديداً يتحول التميز المتواصل من مجرد إنجاز إلى ثقافة راسخة.
لقد أضحت عملياتنا التشغيلية الاستثنائية أمراً اعتيادياً لأن منظومة المطار بأكملها تعمل بروح واحدة، فمجتمع المطار الذي يضم شركات الطيران والجهات الحكومية وشركاء الخدمات يعملون ضمن نهج متسق لإدارة تجربة متكاملة، تعكس نبض المدينة بداية من لحظة الوصول إلى المطار، وهي الرؤية التكاملية التي كان سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم حريصاً على تنفيذها، بعدما قاد قطاع الطيران في دبي إلى ما هو عليه اليوم ليتبوأ الصدارة العالمية من خلال الإدارة بعقلية المنظومة الواحدة لا المؤسسة بشكل مستقل.
حين نتعامل مع عشرات الملايين من الحقائب والأمتعة ونشغل مئات الآلاف من الرحلات كل عام يصبح النجاح ثمرة نضج تشغيلي طويل الأمد وتكامل مؤسسي راسخ، وإن ما يمكن اعتباره ضغطاً تشغيلياً هائلاً في مطارات عالمية أخرى يشكل في دبي جزءاً من النسق اليومي، وذلك لأننا نهيئ للمستقبل بشكل استباقي، ونبني أدواتنا التي تمكننا من استقباله قبل وصوله.
لهذا تحديداً لم تعد الأرقام القياسية الخبر الأكثر أهمية في دبي، بل قدرتنا على تحويلها إلى واقع اعتيادي، حيث نعكف على بلوغ مستوى الريادة القائمة على الثقة قبل الحجم أو الأرقام.
فالإبهار يمكن أن يتحقق مرة، أما الثقة فتترسخ نتيجة طبيعية للاستمرارية، ومن هنا فإن الوصول إلى 95 مليون مسافر أو حتى اقترابنا من حاجز الـ100 مليون بنهاية العام الجاري، هو بلا شك ليس نهاية قصتنا، بل بداية مرحلة جديدة، نستهدف فيها إرساء معايير جديدة كلياً للكفاءة والتميز، فنحن لا ندير مطاراً، بل نرسخ وعداً دائماً بأن تجربة المسافرين ستتحسن عاماً بعد عام، لنكون المعيار الأول لهذا الجانب في هذا القطاع عالمياً.