آليات التقييم والتحول الرقمي ركائز لضمان مستقبل عملية «كيمبرلي»

في ظل تصاعد الانتقادات التي تفتقر إلى حلول عملية، تواصل عملية «كيمبرلي» تعزيز مسيرتها الإصلاحية من خلال اعتماد آليات تقييم شفافة، وتطبيق ممارسات معتمدة وفق معايير الأيزو، إلى جانب توظيف منصات رقمية متقدمة مثل منصة «Verifico».

وتسهم هذه الأدوات، اليوم أكثر من أي وقت مضى، في سد الثغرات التنظيمية، وضمان توجيه عائدات الماس لدعم التنمية الاقتصادية المستدامة في الدول المنتجة.

فمع اختتام أعمال الجلسة العامة لعملية «كيمبرلي» في نوفمبر 2025، تكون العملية قد أنهت رسمياً «عام أفضل الممارسات».

وخلال العام الماضي، انصب التركيز على حلول عملية أسهمت في تعزيز فعالية عملية «كيمبرلي» من خلال الارتقاء بالأداء التشغيلي، وترسيخ أعلى معايير النزاهة، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.

وقد دعمت هذه الجهود المساعي المستمرة لإغلاق الثغرات التي يستغلها المتعاملون غير المشروعين، وتحسين مستويات الشفافية، وضمان توجيه عائدات الماس بما يخدم مصالح الدول المنتجة ومجتمعاتها.

ومع دخولنا عام 2026، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تواصل أسرة عملية كيمبرلي التزامها بتطبيق وحماية ثلاثة محاور رئيسية: التقييم الشفاف، ومعايير الاعتماد العالمية، والتحول الرقمي.

لا تقتصر خطّة الدفاع الأولى ضد الماس المرتبط بالنزاعات على الشهادات وحدها، بل تبدأ بتقييم عادل ودقيق للقيمة.

فالتقييم السليم يعزّز الاتساق بين شحنات الماس الخام وشهادات عملية كيمبرلي، ويشكل أداة عملية للتحقق من تطابق الشحنة الفعلية مع البيانات المدوّنة في الوثائق الرسمية.

وفي المقابل، يؤدّي التقييم غير الدقيق أو العشوائي إلى فتح ثغرات مباشرة يمكن أن تستغلها أنشطة الاتجار غير المشروع.

كما أن خفض قيمة الماس الخام في الفواتير يحرم الدول المنتجة من عائدات ضريبية ورسوم امتياز أساسية، ما يضعف أطر الحوكمة ويزيد من هشاشة المجتمعات أمام الممارسات التي وُجدت عملية كيمبرلي أصلاً للتصدي لها. ولكي يكون التقييم فعّالاً، لا بد أن يستوفي عدداً من المعايير الأساسية:

- أولاً، يجب أن يشمل كامل إنتاج المناجم، من الأحجار الصناعية وصولاً إلى ما يُعرف بـ«الأحجار الخاصة».

ثانياً، ينبغي أن يكون التقييم مستقلاً ومحايداً، وخالياً من أي انحياز لأي نوع من الإنتاج أو شركة أو دولة بعينها.

وغالباً ما تعجز آليات التسعير التقليدية لدى المنتجين عن تحقيق ذلك، إذ تعكس في كثير من الأحيان أسعار العرض في جلسات البيع أو التخصيصات، بدلاً من المستويات الحقيقية للسوق، كما تميل بطبيعتها إلى تفضيل خصائص إنتاج المنتج نفسه.

- ثالثاً، يجب أن يستند التقييم إلى تحليلات صارمة قائمة على السوق، قادرة على تحويل الإمكانات المتوقعة للماس المصقول إلى قيم دقيقة للماس الخام.

ولا يكفي في هذا السياق الاعتماد على التحليل المكتبي وحده؛ فالتوافق الحقيقي مع السوق يتطلب حضوراً فعلياً في مراكز التداول الرئيسية مثل دبي، لضمان بقاء نماذج التقييم على اتصال مباشر ودائم بتطورات السوق المتغيرة في الوقت الفعلي.

وفي المحصلة النهائية، يعكس التقييم الموثوق مستويات السيولة المحققة فعلياً، لا قوائم أسعار داخلية يتم إعدادها بمعزل عن السوق.

وتوفر منصات مثل «WWW International Diamond Consultants»، و«E Valuer» التابعة لشركة «DCi» معايير مرجعية مستقلة ومهمة لأغراض التدقيق والامتثال. ويقدم نظام «E Valuer» أساساً موحداً ومتسقاً لتسعير كامل إنتاج المناجم، بما يساعد على ضمان عدم تشويه التقييمات نتيجة تضارب مصالح المنتجين أو مراكزهم التجارية.

وفي هذا السياق، يطبق مختصون مثل «Mercury Diamond» منهجية التقييم القائم على المعاملات «Transaction Based Valuation»، والتي تعتمد على إعادة احتساب أسعار الماس الخام استناداً إلى بيانات سوق الماس المصقول، بما يتيح رصد القيمة السوقية الحقيقية للأحجار الاستثنائية مع الأخذ في الاعتبار فروقات التصنيع.

وعملياً، يتمثل النهج الأمثل في اعتماد نموذج هجين يجمع بين المعايير المرجعية المستقلة وبيانات سوق عالية الجودة من مصادر راسخة في القطاع، بما يضمن أن تعكس الأسعار واقع السوق الفعلي بدقة.

ولا تكتسب أفضل الممارسات قيمتها الحقيقية إلا إذا كانت قابلة للقياس والتحقق. وهنا تبرز أهمية التوحيد القياسي والانضباط المؤسسي اللذين يكرّسهما مكتب عملية «كيمبرلي» في دولة، بما يؤهله ليكون نموذجاً يُحتذى به على مستوى أسرة عملية كيمبرلي ككل.

ويعد مكتب عملية «كيمبرلي» في الإمارات الجهة الوحيدة الحاصلة على شهادة «ISO 9001:2015»، من بين 60 مشاركاً في عملية «كيمبرلي» يمثلون 86 دولة، بما في ذلك الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي.

ولا يُنظر إلى هذا الإنجاز باعتباره مدعاة للفخر بقدر ما هو التزام عملي ومثبت بالنزاهة التشغيلية، تم تحقيقه من خلال ثلاث عمليات تجديد ناجحة للشهادة من المحاولة الأولى على مدار السنوات الست الماضية.

وتترجم شهادة «ISO» مباشرة إلى تعزيز المساءلة والكفاءة. فهي تعني أن العمليات الداخلية، بدءاً من إدارة العضوية وحتى إصدار الشهادات والتحقق من البيانات، تخضع لإدارة مستمرة، وتدقيق خارجي، وتنسجم مع أفضل الممارسات المعترف بها دولياً.

وقد استلزم تطبيق «ISO 9001:2015» توثيق 60 دليلاً تشغيلياً، ما أسهم في تبسيط الإجراءات وضمان معالجة كل حالة بشكل متسق وموثوق.

وتضمن عمليات التدقيق الخارجية المنتظمة الحفاظ على النظام وتحسينه بشكل مستمر. وعلى المستوى العملي، يسهم ذلك في تقليل المخاطر التشغيلية وتعزيز ثقة أصحاب المصلحة على الصعيد العالمي.

وبالنسبة للمشاركين الآخرين، يمثل حصول مكتب عملية كيمبرلي في دولة الإمارات على شهادة ISO نموذجاً مثبتاً لتعزيز الامتثال والحوكمة.

وقد لا تكون شهادة «ISO» هدفاً لكل مكتب، لكن توثيق الإجراءات الرسمية والالتزام بالمعايير الداخلية لأفضل الممارسات يُعد خطوة أساسية نحو تحقيق الاتساق والجودة التي يتطلبها سوق الماس العالمي.

وإذا كان التقييم يحمي النزاهة الاقتصادية ويدعم مطابقة الشهادات، وكانت شهادة «ISO» تضمن الالتزام بالإجراءات بدقة، فإن التحول الرقمي يصبح عنصراً أساسياً لضمان دقة البيانات.

وكما تم التأكيد خلال الجلسة العامة لعملية كيمبرلي في دبي في نوفمبر الماضي، يتزايد الاعتراف بأهمية تحديث العملية، بما في ذلك من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي، للمساعدة في القضاء على الثغرات المتعلقة بالامتثال.

ويشكل تطوير منصة الشهادات الرقمية لعملية كيمبرلي «Verifico»، خطوة مهمة في هذا المسار.

فمن خلال الانتقال من الشهادات الورقية المعرضة للمخاطر إلى سجلات رقمية آمنة، يمكن تعزيزها عبر تقنية البلوك تشين أو تحسينها باستخدام رموز الاستجابة السريعة، مما يقلل من مخاطر تزوير الشهادات الورقية ويجعل عملية التحقق بين السلطات أسرع وأكثر موثوقية. ويسهم هذا بدوره في تعزيز مراقبة الحدود وتحسين أمان الشهادات.

والأهم من ذلك، أن الأنظمة الرقمية تفتح الباب أمام الاستخدام الذكي للذكاء الاصطناعي. فالسجلات الرقمية تتيح التحليل في الوقت الفعلي وتساعد في الكشف عن أي شذوذ في تدفقات التجارة وأنظمة الرقابة الداخلية.

وقد يشمل ذلك التباينات في الحجم أو القيمة أو المسار، بالإضافة إلى نقاط الضعف في الضوابط التشغيلية الروتينية المرتبطة بالإشراف على التعدين والتصنيع. ويمكن تحديد هذه الحالات بشكل أسرع وأكثر دقة مقارنة بالإشراف البشري وحده.

وبذلك، يمكن لعملية كيمبرلي أن تتطور من إطار إداري قائم أساساً على الردود إلى آلية امتثال أكثر استباقية، توفر الشفافية وقابلية التتبع المطلوبة لضمان أمن سلسلة التوريد لصالح المستهلك العالمي الواعي.

ومع اختتام «عام أفضل الممارسات»، يتضح أن التميز التشغيلي لا يحده زمن. فمن خلال تعزيز التقييم الشفاف، وتطبيق الانضباط التشغيلي وفق معايير «ISO»، وتبني التحول الرقمي، تصبح عملية كيمبرلي أكثر فاعلية ومصداقية واستجابة للتحديات.

هذا البرنامج العملي ليس تشتيتاً للنقاشات السياسية الكبرى، بل يشكل القاعدة الإدارية التي تحمي شرعية العملية وتضمن قوتها على المدى الطويل.

كما أنه يضمن أن كل قطعة ألماس تدخل السوق الشرعية تخضع لأعلى معايير الدقة والنزاهة، مع الالتزام الراسخ بمستقبل خالٍ من النزاعات للجميع.

أتقدم بأحر التهاني إلى الهند لتوليها رئاسة عملية «كيمبرلي» لعام 2026، وإلى غانا لتعيينها كنائب للرئيس.

كان شرفاً كبيراً للإمارات أن تقود عملية «كيمبرلي» كرئيس وصي، ونتطلع لمواصلة العمل مع عملية «كيمبرلي» وهي تواصل تطورها بنزاهة وهدف واضح.