كثيراً ما تُتداول كلمة «متقاعد» على ألسنة الناس، مقرونة بتفسير ساخر أو قاسٍ، إذ يذهب بعضهم إلى اعتبارها اختصاراً لعبارة «مت وأنت قاعد». هذا الفهم، وإن بدا طريفاً للبعض، إلا أنه أبعد ما يكون عن الحقيقة، بل يحمل ظلماً كبيراً لمرحلة من أغنى مراحل العمر، فبلوغ الإنسان سن الستين، وهو سن التقاعد المتعارف عليها عالمياً، لا يعني أبداً نهاية دوره في الحياة، بل يعني أنه وصل إلى مرحلة امتلأت بالتجربة، وتشبعت بالحكمة، ونضج فيها العقل والفهم والإدراك.
المتقاعد هو شخص خبر الحياة بمختلف تقلباتها، وعايش النجاح والإخفاق، وراكم معرفة عميقة في مجال عمله، وغيره من مجالات الحياة المختلفة، على مدار عقود من الزمن، لذلك، فإن المجتمعات الواعية تنظر إلى المتقاعدين باعتبارهم كنزاً وطنياً، لا يجوز التفريط به، ويمكن الاستفادة من خبراتهم في المجالات الاستشارية والإنسانية، إذ يسهمون بآرائهم في صناعة القرار، وبناء المؤسسات، وتوجيه الأجيال الجديدة، بما يخدم الوطن، ويعزز مسيرته.
لكن، ورغم سنوات العطاء الطويلة، لا يمكن إنكار أن حياة المتقاعد الاجتماعية والمهنية تتغير. فالعلاقات التي كانت مرتبطة بالمنصب أو الموقع الوظيفي، قد لا تبقى كما كانت، والنفوذ الذي كان يتيح له إحداث تغيير مباشر، أو تقديم المساعدة للآخرين، قد يخف مع مرور الوقت، ومع ذلك، فإنّ تراجع النفوذ لا يعني أبداً تراجع المكانة. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالمنصب، بل بالأثر، والاحترام، وما يتركه من بصمة في نفوس من حوله.
ولكي يستمر المتقاعد في العطاء، ويشغل وقته بما هو مفيد ومثمر، فإن الخيارات أمامه واسعة، يمكنه ممارسة هواياته التي طالما حرمته مشاغل العمل من الاستمتاع بها، أو تدوين خلاصة تجربته في كتاب، إن كان من محبي الكتابة، أو المشاركة في ندوات ومحاضرات تثقيفية، ينقل فيها خبرته للآخرين. وحتى إن اختار الراحة، فذلك حقّه الطبيعي، ويمكنه حينها الاستمتاع بأنشطة ترفيهية أو رياضية أو اجتماعية، تعزّز صحته الجسدية والنفسية.
في نهاية المطاف، التقاعد لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية الحياة، إلا إذا قرر الإنسان أن يجعل منه نهاية. ومن وجهة نظري، هو بداية مرحلة جديدة من النضج، وفرصة للتفرغ لما فاتنا إنجازه. إنه محطة نراجع فيها ذواتنا، ونحدّد الأثر الذي نريد أن نتركه، فإما أن نواصل العطاء بأشكال مختلفة، أو نختار الجلوس على الهامش. والحكمة الحقيقية، أن نعيش ما بعد التقاعد حياة تليق بكل ما قدمناه قبله.