تزييف على أعلى مستوى

كنا نشكو الأخبار الكاذبة والصور المفبركة والمقاطع المجتزأة المنزوعة من سياقها، ونظن أن هذه أقصى درجات التزييف، اليوم، وصل الأمر لدرجة انتشار فيديوهات لقادة دول ورؤساء حكومات يتحركون ويتحدثون، ويعلنون قرارات من شأنها أن تهز دعائم العالم، ثم يتضح أن بعضها مصنوع بأدوات الذكاء الاصطناعي، ليعلن التزييف أنه بات على أعلى مستوى.

ليت الأمر توقف عند حدود الفيديوهات المصنوعة بغرض الدعابة أو السخرية أو المعارضة، فهذه الأمور أمرها سهل، أما الفبركة والتضليل عاليا التقنية، فقدرتهما على بث الفتنة ودس السموم وتعريض الدول والشعوب لمخاطر لا حصر لها، فتطوّر جلل.

ويزيد من فداحة الوضع، هذه القدرات التقنية التي يتم استخدمها، لا في صناعة الفيديوهات فقط، ولكن في تصميم الخوارزميات بشكل يضمن الحفاظ على تفاعل المستخدمين، وهو ما يعني ترويجاً للمحتوى القادر على إثارة المشاعر.

قبل أيام، أثار فيديو لرئيس بلدية جلوستر في بريطانيا، وهو يقول إنه لن يسمح لأعضاء المجلس بالتحقيق في اختفاء ثمانية ملايين جنيه إسترليني، ثم يضحك للكاميرا، وأثار موجة عارمة من الغضب.

وبعيداً عن أن الفيديو صنعه أحد مستشاري المجلس، وهو أليستير تشامبرز، وذلك في إطار خلاف مالي وإداري داخل المجلس، فقد انتشر الفيديو انتشاراً فيروسياً، وتعاملت معه كثيرون باعتباره حقيقياً، وذلك قبل أن يكتشف أنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي، وأن صانعه يدافع عما فعله، على اعتبار أنه شكل من أشكال التعبير السياسي.

عدد مرات المشاهدة والمشاركة قبل أن يتم اكتشاف أن الفيديو غير حقيقي ضخمة جداً. وبين المشاهدين ومن أعادوا المشاركة، من لم يتابع تطور الأحداث، ولم يعلم بأمر الذكاء الاصطناعي.

هذا مجرد مثال واحد بين ملايين الأمثلة التي تغزو الأثير العنكبوتي يومياً. بينها الحقيقي، وبينها المصنوع بالذكاء الاصطناعي، وبينها القديم، الذي يجري تداوله على أنه جديد، والقائمة معروفة. ومليارات، لا ملايين المستخدمين، لا يملكون رفاهية الوقت والجهد، بالإضافة إلى الوعي والثقافة اللازمة للتحقق من حقيقة ما يشاهدون ويتابعون ويقرأون.

نسبة المستخدمين التي تحقق وتدقق وتفكر مرتين، قبل أن تدق على «شير»، قليلة جداً، ولا تكفي لضمان حماية المجتمعات من توغل محتوى جاذب ومحترف ومفبرك.

التقديرات تشير إلى أن نحو 5.6 مليارات شخص يستخدمون منصات الـ «سوشيال ميديا»، أي أن أكثر من ثلثي سكان الكوكب متصل بها. ويضاف إلى ذلك العدد بين 250 و300 مليون مستخدم جديد سنوياً. وهذا يعني بشكل أو بآخر، أن من يمتلك السردية على السوشيال ميديا، ربما يمتلك نسبة معتبرة من توجهات وآراء ومعارف جانب من سكان الأرض.

حتى اللحظة، يقتصر الأمر في أغلب دول العالم على قوانين منظمة لبعض جوانب الإنترنت والأدوات الرقمية، مثل أستراليا، التي أصبحت أول دولة تحظر دخول الأطفال على منصات السوشيال ميديا، وأزالت بالفعل نحو خمسة ملايين حساب لمراهقين الشهر الماضي، وكذلك قوانين وطنية خاصة بإساءة استخدام الإنترنت، مثل جرائم النصب الإلكتروني، وخصوصية المستخدمين، والابتزاز الإلكتروني وغيرها.

كما تشمل الجهود محاولات تقوم بها جمعيات ومنظمات أهلية، بغرض التثقيف والتوعية، منها مثلاً مؤسسة بريطانية اسمها «ديجيتال رزيزستانس»، أي المقاومة الرقمية، وهي مبادرة شعبية تركز على سلامة المستخدمين في العصر الرقمي، ومناقشة قوة التكنولوجيا الرقمية بطريقة تنشر الوعي والثقافة بين البريطانيين، ليفهموا كيف تشكل التكنولوجيا الرقمية، لا سيما الذكاء الاصطناعي، حياتهم، سلباً وإيجاباً.

الشركات العملاقة والاستثمارات الكبرى، تعمل على تطوير وإنتاج المزيد من التقنيات. إنه مجال مربح مادياً، ناهيك عن تحول هذا النوع من «البيزنيس» إلى ما يشبه القوة العظمى. العصر الرقمي فوائده عظيمة وكثيرة، لكن مخاطره أيضاً فادحة وعديدة. والاستثمار في تضييق هوامش الخطر، وتوعية المستخدمين، ليس مربحاً من وجهة نظر السوق.

الأمر يحتاج إلى جهود وطنية وأهلية من قبل الدول، كل بحسب قدراته وأولوياته، والمخاطر التي يتعرض لها. هذه الجهود تشمل إصدار القوانين المنظمة، ونشر الثقافة والتربية الرقمية في المدارس والجامعات، وإطلاق حملات التوعية للكبار، عبر المنصات التقليدية والجديدة، والقائمة تطول. قبل أيام، نظم «نادي دبي للصحافة» حلقة نقاشية، عنوانها «شخصيتك الرقمية.. مسؤوليتك الوطنية». مثل هذه الفعاليات تعلم وتثقف وتدرب وتواكب العصر، وتعظم الفوائد وتقلل الخسائر.