محمد بن راشد.. فلسفة الحكم الرشيد والرؤى المتفردة

هناك لحظات ومحطات مفصلية في مسارات تاريخ البشرية وتطورها أسست، وتؤسس، لصروح وفضاءات نهضة وتغيير وارتقاء عامرة بالإيجابية والتفرد، نتيجة غناها بأنوار الحكمة وجواهر القوة والخير والإبداع والتميز، الكفيلة برسم وصوغ ملامح حاضر مشرق ومستقبل حافل بألوان الإلهام، ذلك كما هي مرحلة ولحظة تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مقاليد الحكم في إمارة دبي، ورئاسة مجلس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك في الرابع من يناير عام 2006، إذ إنها شكلت مرحلة ومنصة ارتقاء نوعي لا يدانى على أصعدة التقدم والعمل الملهم والتنمية الإدارية والقوة الناعمة التي تخدم صالح دولة الإمارات والإنسانية جمعاء، وهو ما جعل سموه يتبوأ أعلى المنازل بوصفه قائداً ملهماً ونموذجاً رفيعاً يُحتذى على مستوى الدولة والمنطقة العربية والعالم، بفضل حنكته وحكمته وسعة معرفته وفلسفة حكمه الرشيد المتنور. إن رؤى وفكر ونهج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تمثل ألمع وأغنى المدارس في فنون القيادة والريادة والسلام والتسامح والقيادة الرقمية وفلسفة «اللامستحيل».

وهكذا فإنها تحتاج منا مجلدات ومجلدات لنستطيع أن نوفيها حقها في القراءة المعمقة، لكن -بطبيعة الحال- يمكننا أن نستعرض مجموعة شذرات لأبرز براهينها وألوانها ضمن سياقات التحولات الجذرية في صميم العمل الحكومي في الدولة، من خلال هذه القراءة التي تستعرض قدرة سموه على جعل حكومة دولة الإمارات -وخلال عقدين من العمل الدؤوب النوعي- منبر تمكين سيادياً وقدوة عالمية؛ لتقفز الميزانية الاتحادية بنسبة 167 % والصادرات غير النفطية بنسبة 1827 %. إن هذه المنجزات تعكس تميز «مدرسة محمد بن راشد» في الإدارة التي توازن بين التكنولوجيا والقيم الإنسانية، والقائمة على اليقين بأن «سباق التميز لا يعرف خطاً للنهاية».

مسيرة الإنجاز.. محطات صاغت ملامح التحول الاستراتيجي

بدأت مسيرة النهضة بمرحلة التأسيس (2006 - 2010)، التي ركزت على بناء القواعد الهيكلية للدولة الحديثة عبر تحديث التشريعات المحفزة للاستثمار وتطوير بنية تحتية عالمية تمثلت في مشاريع أيقونية مثل «مترو دبي» و«برج خليفة». وقد اختُتمت هذه الفترة بإطلاق «رؤية الإمارات 2021» خريطة طريق طموحة للوصول إلى مراكز الصدارة عالمياً.

تلتها مرحلة الابتكار (2011 - 2015)، حيث تحول الابتكار إلى منهج عمل مؤسسي من خلال إطلاق «الحكومة الذكية» ومشاريع الطاقة المتجددة والتعليم الذكي، كما توسع الأثر المعرفي والإنساني للدولة عالمياً عبر «تحدي القراءة العربي» وتأسيس مؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية» لتكون مظلة للأعمال التنموية والإنسانية. كذلك شهدت هذه المرحلة إطلاق «مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين»، لتمكين المرأة كونها شريكاً سيادياً في التنمية، ومبادرة «تحدي المليون مبرمج عربي» لتسليح الشباب العربي بلغة المستقبل.

انتقلت الدولة بعد ذلك إلى مرحلة الاستشراف (2016 - 2020)، التي استهدفت قيادة المستقبل بدلاً من انتظاره، وهو ما تجسد في «مئوية الإمارات 2071» واستراتيجية الذكاء الاصطناعي التي تُوجت بتعيين أول وزير لهذا القطاع. وشهدت هذه الحقبة مشاريع نوعية تعزز مكانة الدولة مركزاً للابتكار المستقبلي مثل «متحف المستقبل» ومبادرة «دبي X10».

أخيراً، جاءت مرحلة الارتقاء (2021 - -2026)، لتؤكد مرونة النموذج الإماراتي وقدرته على إدارة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص، حيث نجحت الدولة في استضافة «إكسبو 2020» التاريخي، كما أطلقت رؤية «نحن الإمارات 2031» لمواصلة النمو الاقتصادي والاجتماعي في بيئة عالمية متغيرة، مرسخة مكانتها دولة قادرة على الاستدامة والتميز.

إنجازات التنافسية العالمية

نجحت رؤية وجهود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في تحويل الإمارات إلى قوة تنافسية عالمية، حيث قفزت إلى قائمة أفضل 5 دول عالمياً في التنافسية لعام 2025، وتصدرت 279 مؤشراً في الكفاءة الحكومية والتحول الرقمي. ورسخت مكانتها بيئة جاذبة للمواهب والثروات، وحققت المركز الـ15 في التنمية البشرية مع تفوق نوعي في التعليم التكنولوجي والتماسك الاجتماعي. واقتصادياً، صعدت للمركز السابع عالمياً في استقرار الاقتصاد، والعاشر في القوة الناعمة، مع وصول قيمة هويتها الوطنية الإعلامية إلى 1.2 تريليون دولار، ما يدعم طموحاتها نحو مئوية 2071.

منصة استشراف المستقبل الحكومي

تعد القمة العالمية للحكومات، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عام 2013، منصة عالمية رائدة ومؤسسة بحثية تهدف إلى تبادل المعرفة وصياغة حلول مبتكرة لتحديات المستقبل. وجسدت دورة عام 2025، التي أقيمت تحت شعار «استشراف حكومات المستقبل»، ثقل هذه المنصة بمشاركة قياسية شملت 140 وفداً حكومياً وأكثر من 6000 مشارك، حيث تم استعراض تقارير استراتيجية وجلسات تفاعلية تركز على تسخير التكنولوجيا لخدمة الإنسانية. ومن المقرر عقد الدورة المقبلة في فبراير 2026، ما يرسخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً لصناعة السياسات الحكومية وتعزيز التعاون الدولي.

الدبلوماسية الإنسانية والقوة الناعمة.. الإرث العالمي لمحمد بن راشد

تجسد «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية» (MBRGI) فلسفة الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمعات، حيث تحولت من حملات خيرية إلى منظومة استدامة عالمية تهدف لصناعة الأمل وتمكين الإنسان عبر 5 محاور استراتيجية:

أولاً: الإغاثة العاجلة والأمن الغذائي

عززت الإمارات مكانتها كأكبر مركز لوجستي إنساني عبر «دبي الإنسانية» لمواجهة الأزمات العالمية. وتحول الأمن الغذائي إلى عمل مؤسسي مستدام عبر «بنك الإمارات للطعام» الذي خدم 28.9 مليون مستفيد عام 2024، بالتوازي مع «الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051» و«الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي 2036» لضمان استدامة الموارد عبر الإدارة الرشيدة والتقنيات الذكية. ولم تقتصر الرؤية على التوزيع، بل شملت التصنيع والابتكار عبر «تحدي تكنولوجيا الغذاء» و«وادي تكنولوجيا الغذاء»، لتحويل الصحراء إلى مختبر إنتاجي مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

ثانياً: المعرفة والتعليم المستقبلي

انعكست الريادة المعرفية في «تحدي القراءة العربي» بمشاركة أكثر من 32 مليون طالب وطالبة من 50 دولة في «تحدي القراءة العربي» بالدورة التاسعة 2025، وبجهود «دبي العطاء» التي وصلت لـ116 مليون مستفيد. ومواكَبةً لمتطلبات العصر، شهد التعليم تحولاً جذرياً بإدراج الذكاء الاصطناعي مقرراً إلزامياً بدءاً من 2025 - 2026، وتطوير تشريعات التعليم العالي لتركز على الابتكار والمهارات الرقمية.

ثالثاً: الصحة والبحث الطبي

شهد القطاع الصحي قفزة في الإنفاق المحلي ليصل إلى 100 مليار درهم عام 2024، مع تركيز «نور دبي» و«مؤسسة الجليلة» على مكافحة الأمراض والأبحاث المتقدمة. وتتجه الدولة نحو الرقمنة الكاملة عبر منصة وطنية موحدة للتراخيص الطبية بحلول 2026، مع تحديث منظومة التأمين الصحي لضمان أعلى معايير الجودة العالمية، كما تبنت الدولة نموذج الصحة المتقدمة عبر توسيع نطاق الطب الوقائي والطب الشخصي، وتعزيز موقع دبي وأبوظبي محورين عالميين للسياحة العلاجية عبر بنية تحتية طبية متطورة ومؤسسات اعتماد دولية، بما يجعل القطاع الصحي أحد روافع الاقتصاد المعرفي وركيزة لجودة الحياة.

رابعاً: صناعة الأمل وتمكين القيادات

تركز فلسفة «صناع الأمل» على محاربة اليأس وتكريم النماذج الإنسانية، في حين يعمل «مركز محمد بن راشد لتطوير القيادات» منذ 20 عاماً على إعداد الكوادر الوطنية. وتم تعزيز دور الشباب كونهم شركاء في المستقبل، ما يضمن توارث الرؤية القيادية للأجيال القادمة.

خامساً: استدامة العطاء عبر الوقف

يمثل التحول نحو المشاريع الوقفية المؤسسية ركيزة أساسية لضمان استمرارية العطاء وتوفير موارد دائمة للتنمية البشرية، ما ينقل العمل الخيري من طابعه المؤقت إلى أثر تنموي بعيد المدى يتجاوز الحدود الجغرافية. ولم يقتصر التأثير على المساعدات، بل امتد لصناعة الهوية عبر استراتيجية القوة الناعمة (2017)، التي رسخت مكانة الدولة كـ«براند» عالمي يجمع بين السمعة الطيبة والتأثير الدبلوماسي.

المبادرات المحلية والنسيج المجتمعي.. المواطن أولاً

توازياً مع الدور العالمي، ركزت القيادة -محلياً- على رفاه المواطن عبر تحولات جذرية في قطاع الإسكان، تجسدت في استراتيجية «برنامج الشيخ زايد للإسكان 2041» لإصدار 40 ألف قرار دعم. وشملت الإصلاحات مبادرات كـ«القرض المرن» ورفع سقف المنح والقروض بميزانية 32 مليار درهم لإنشاء 34 ألف وحدة سكنية، وتواكبت مع «خطة دبي الحضرية 2040» لتعزيز جودة الحياة المستدامة والاستقرار الأسري.

وعلى صعيد التكافل، أطلقت مبادرات مبتكرة كـ«ثلاجة الفريج» وحملة «وقف الأم» لتعليم قيمته مليار درهم، محولة العمل الخيري إلى مشاريع وقفية مستدامة. ورسخ سموه الشفافية عبر «رسالة الموسم» كعقد اجتماعي يحدد الأولويات، مشدداً على الحضور الميداني للمسؤولين وجعل «التوطين» وحماية السمعة الرقمية غاية أسمى لخدمة الشعب.

وفي إطار بناء اقتصاد الكفاءات، انطلقت «مشاريع الخمسين» كونها خطة تنموية شاملة، برز فيها «برنامج نافس» أداةً لتمكين المواطنين في القطاع الخاص عبر الحوافز والتدريب، لتحقيق التوازن المهني وتعزيز مساهمة الكوادر الوطنية في الاقتصاد الجديد.

الهندسة الاقتصادية والاستراتيجية.. بناء اقتصاد ما بعد النفط

انتهجت القيادة الإماراتية استراتيجية استباقية لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، تمثلت في «مشروع 300 مليار» لتعزيز القطاع الصناعي بحلول عام 2031 عبر حوافز «صنع في الإمارات» وبرنامج «القيمة الوطنية المضافة». وبالتوازي، قاد سموه التحول نحو الاقتصاد الأخضر عبر مجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية تحقيقاً للحياد المناخي 2050.

وفي دبي، أُطلقت الأجندة الاقتصادية (D33) لمضاعفة حجم الاقتصاد لـ32 تريليون درهم بحلول 2033، وربطها بـ400 مدينة عالمية عبر مشاريع تحويلية كـ«رخصة دبي الموحدة» و«ساندبوكس دبي». كما رسخت الرؤية مكانة دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي منذ 2013 لربط النمو بالقيم الأخلاقية.

وعلى صعيد الاقتصاد الإبداعي والمعرفي، استهدفت الرؤية رفع مساهمته لـ5% بحلول 2025. وأثمرت هذه الجهود نتائج قياسية؛ إذ تجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي 50 ألف دولار عام 2024، وتضاعفت تدفقات الاستثمار الأجنبي لـ168 مليار درهم، مع تطلعات سياحية طموحة للوصول إلى 450 مليار درهم ضمن استراتيجية السياحة 2031 لاستقطاب 40 مليون نزيل سنوياً.

الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي..

قيادة المستقبل اليوم

أعاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد اختراع العمل الحكومي لتصبح «حكومة لا تنام»، بدءاً من إطلاق الحكومة الذكية (2013) وصولاً لعام 2021 كأول حكومة لا ورقية عالمياً، ما وفر 1.3 مليار درهم و14 مليون ساعة عمل. وقد عززت «الاستراتيجية الوطنية للحكومة الرقمية» كفاءة الخدمات عبر تكامل الأنظمة وتوحيد الهوية الرقمية والأمن السيبراني، كما تبرز «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031» كونها أجرأ رؤية عالمية للاعتماد الكلي على التقنية في القطاعات الحيوية، وتتكامل مع «استراتيجية دبي للتنقل الذكي ذاتي القيادة» لتحويل 25 % من رحلات دبي لوسائل ذاتية القيادة بحلول 2030.

ولضمان الريادة، عينت الدولة أول وزير للذكاء الاصطناعي عالمياً (2017)، وفي مطلع 2026 تم دمج نظام الذكاء الاصطناعي كونه عضواً استشارياً في مجلس الوزراء لدعم اتخاذ القرار. وقد أثبتت هذه البنية الرقمية تفوقها كونها درعاً للأمن الوطني خلال جائحة كوفيد - 19، محققة انتقالاً كاملاً وسلساً للعمل والتعليم «عن بُعد» بمستويات غير مسبوقة عالمياً.

القيادة الرقمية والأخلاقية.. فلسفة

الحكم الرشيد

يرتكز النموذج القيادي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، على ثنائية تجمع بين التبني التقني والتمسك الأخلاقي، حيث يُعرف القيادة الرقمية بأنها «تفكير استراتيجي» يتجاوز استخدام الأدوات إلى استثمار البيانات الضخمة ركيزة لصناعة القرار، معتبراً أن «البيانات هي نفط المستقبل» الذي يحول المدن إلى كيانات ذكية في إدارتها قبل بنيتها.

وفي مقابل هذا الزخم التقني، تبرز الأخلاق ضمانة إنسانية؛ إذ تؤمن الرؤية القيادية بأن التكنولوجيا بلا قيم تشكل خطراً، وهو ما دفع الدولة لإطلاق برامج «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» لضمان العدالة والشفافية والنزاهة في الأنظمة الذكية، بعيداً عن الانحيازات التقنية.

أما على صعيد الفلسفة القيادية والمسؤولية، فيرسخ سموه مبادئ جوهرية تقوم على أن القائد الحقيقي هو من يصنع قادة غيره ولا يختزل المؤسسة في شخصه، كما يؤكد أهمية «القيادة بالحب لا الخوف»، واعتبار المنصب وسيلة لخدمة الناس لا بوابة للوجاهة، وهو ما يُترجم ميدانياً عبر سياسة «الباب المفتوح» والمساءلة الشفافة لضمان وضع مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار.

طموح الفضاء.. من الحلم الاستشرافي إلى الريادة العلمية العالمية

جاء إطلاق الاستراتيجية الوطنية للفضاء 2030 ليضع إطاراً شاملاً لتطوير هذا القطاع الحيوي عبر برامج الاستكشاف العلمي، وتصنيع الأقمار الصناعية، وبناء القدرات البشرية الوطنية، وتعزيز الشراكات الدولية، بما يرسخ موقع الإمارات لاعباً رئيسياً في صناعة الفضاء العالمية.

ويُعد قطاع الفضاء قاطرة الإمارات نحو اقتصاد المعرفة، حيث تطور من فريق صغير عام 2006 إلى وكالة وطنية تدير مهامَّ دولية، أبرزها «مسبار الأمل» الذي قدم بيانات عالمية شاملة عن المريخ و«ديموس».

كما تستشرف الدولة استيطان الفضاء عبر «برنامج المريخ 2117» ومشروع المحاكاة «مدينة المريخ العلمية» لتطوير حلول الغذاء والطاقة. وتقنياً؛ حققت الإمارات سيادة كاملة بتصنيع أقمار صناعية محلياً مثل «خليفة سات»، مع ترسيخ حضورها البشري ببعثات تاريخية، والمشاركة مع «ناسا» في تطوير المحطة القمرية، ما يضمن لها دوراً دائماً في استكشاف الفضاء العميق.

الثورة التشريعية والحوكمة: المرونة المؤسسية وتصفير البيروقراطية

عدّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد التشريع بأنه «البنية التحتية الناعمة» للاقتصاد، وقاد أضخم ورشة إصلاح قانوني بلغت ذروتها في عام 2021 بصدور أكثر من 40 قانوناً جديداً. كان أبرزها تعديل قانون الشركات للسماح بالتملك الأجنبي الكامل بنسبة 100 % وإلغاء شرط الوكيل المواطن، ما أحدث قفزة نوعية في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وعزز سيادة الدولة الاقتصادية وتنافسيتها العالمية.

وفي سياق استقطاب المواهب، أحدثت منظومة «الإقامة الذهبية» (2019) تحولاً استراتيجياً بمنح إقامات طويلة الأمد لفئات النخبة من علماء ومستثمرين ومبدعين، ما أسهم في فصل الإقامة عن الوظيفة وضمان استقرار الكفاءات العالمية. وقد استفاد من هذه المنظومة أكثر من 152 ألف شخص، ما عزز النسيج المجتمعي والقوة الشرائية، وحول الدولة إلى وجهة دائمة للمواهب بدلاً من كونها محطة عمل مؤقتة.

أما على صعيد كفاءة الإدارة، فقد أطلقت الإمارات -بفضل بُعد نظر سموه- برنامج «تصفير البيروقراطية» لإلغاء 2000 إجراء حكومي وتقليص زمن الخدمات بنسبة 50 %، كما تم ترسيخ مبدأ المساءلة من خلال «نظام النجوم العالمي» لتصنيف مراكز الخدمة، والشفافية المطلقة في إعلان «أفضل وأسوأ المراكز» للجمهور، ما جعل الأداء والتميز المعيار الوحيد للبقاء في المنصب الحكومي، وضمان تقديم خدمات تليق بتطلعات المجتمع.

جوائز وتكريم الوزارات والجهات الحكومية: تعزيز التنافسية والتميز

تُمثل جائزة محمد بن راشد للأداء الحكومي المتميز، التي انطلقت عام 2009، أرفع وسام للتميز المؤسسي في دولة الإمارات، حيث تهدف إلى خلق بيئة تنافسية إيجابية بين الجهات الاتحادية. وتتوزع الجائزة على 26 فئة تشمل التميز في الريادة، وخدمة المتعاملين، والابتكار، مع ربطها بـ«نظام النجوم العالمي» لضمان جودة الخدمات الحكومية وفق أعلى المعايير الدولية.

ويعكس التكريم الدوري للفائزين بحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، التزاماً قيادياً ثابتاً بتحفيز الكوادر والجهات الحكومية، وترسيخ ثقافة الأداء العالي والابتكار المستمر لتصبح منهجاً دائماً في العمل الوزاري والمؤسسي، بما يخدم الأهداف الاستراتيجية للدولة.

استشراف المستقبل.. مئوية الإمارات 2071

تستهدف «مئوية الإمارات 2071»، التي أُطلقت عام 2017، صياغة مستقبل بعيد المدى لجعل الدولة الأفضل عالمياً بحلول ذكرى تأسيسها المئة. وترتكز هذه الرؤية على أربعة محاور استراتيجية: حكومة استشرافية مرنة، تعليم مستقبلي يركز على العلوم المتقدمة والقيم، اقتصاد معرفي متنوع ومنافس، ومجتمع متماسك يعتز بهويته الوطنية وقيم التسامح.

ولتحقيق هذه المستهدفات، تم تدشين حاضنات ابتكارية كبرى، مثل: «منطقة 2071» لتصميم الحلول المستقبلية، و«متحف المستقبل» كأيقونة عالمية للابتكار العلمي. كما تمأسست القيم الإنسانية عبر استحداث وزارة التسامح والتعايش لترسيخ التنوع الثقافي، وإطلاق البرنامج الوطني للسعادة والإيجابية الذي جعل من سعادة المجتمع مؤشراً أساسياً لقياس جودة الحياة وأداء الحكومة. وتؤكد هذه المسيرة أن الإمارات لا تكتفي بمواكبة الحاضر، بل تضع الأطر المؤسسية والعملية لضمان ريادة الأجيال القادمة في عالم متغير.

عقدان من الإنجاز.. ونظرة نحو القمة

تتلخص مسيرة عقدين من حكم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في صياغة نموذج إماراتي فريد يرتكز على القيادة الرقمية ونهج «اللامستحيل»، حيث تحولت الحكومة إلى منصة ابتكار عالمية حققت قفزات اقتصادية وتنافسية كبرى، شملت مضاعفة الميزانية الاتحادية والصادرات غير النفطية.

وقد نجحت هذه الرؤية في الموازنة بين السيادة التقنية وريادة الفضاء وبين ترسيخ القيم الإنسانية عبر أضخم المبادرات الإغاثية عالمياً، مع التركيز الداخلي على جودة حياة المواطن وتطوير التشريعات لاستقطاب المواهب، وصولاً إلى استشراف مئوية 2071 كأفضل دولة في العالم من خلال اقتصاد معرفي ومجتمع متماسك.