حفلت مقابلة جلالة الملك عبدالله الثاني الشاملة التي اجرتها مع جلالته وكالة انباء شينخوا الصينية ونشرتها يوم امس بكثير من الاشارات والاجابات الواضحة والصريحة التي يحرص جلالة الملك على التحدث مع الجميع في شفافية وثقة بالمستقبل ورهان على ارادة الاردنيين وبخاصة عندما اكد جلالته ان النهج الاصلاحي الذي اختطه الاردن يقوم على مبدأ التطور المستمر عبر ارساء لبنات الاصلاح والتحول الديمقراطي الضرورية, بعد أن تم تحديد الهدف النهائي بوضوح وعمق وهو الوصول الى حالة متقدمة من الحكومات البرلمانية, تتولى فيها الاحزاب البرامجية التي تتمتع بالاغلبية النيابية, مهمة تشكيل الحكومات في حين تمارس الاقلية النيابية دور حكومة الظل.
واذ لفت جلالته الى ان الوصول الى هذه المرحلة يتطلب التطوير المستمر للقوانين الناظمة للحياة السياسية وبشكل اساسي قانونا الانتخاب والاحزاب بالاضافة الى تجذير الثقافة الديمقراطية في المجتمع من خلال دعم الجهود الريادية الاجتماعية لبناء المواطنة الفاعلة التي تهدف الى تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار والانتظام في الاحزاب والتصويت على اسس برامجية, فإنما للتأكيد على مسألة مهمة وهي وضوح الرؤية الملكية في هذه الشأن والكيفية التي تمت بها ترجمة هذه الرؤية ميدانياً وبخاصة بعد اجراء الانتخابات النيابية مطلع هذا العام وما تميزت به من شفافية ونزاهة بشهادة مراقبين محليين ودوليين, ما افضى بالتالي كمرحلة لاحقة للتشاور مع جميع اعضاء مجلس النواب الجديد من كتل ومستقلين بهدف اختيار رئيس الوزراء تدشيناً لانطلاقة تجربة الحكومات البرلمانية, وقد اصبنا في ذلك نجاحاً ملحوظاً عندما تم التأسيس لنهج جديد في عملية تشكيل الحكومات, الامر الذي يعزز وبالضرورة الركن النيابي في نظام الحكم المحلي.
زيارة الدولة التي بدأها جلالة الملك عبدالله الثاني يوم أمس تشكل محطة مهمة على طريق تعزيز علاقات الصداقة التقليدية الراسخة والقوية بين الاردن والصين, وتجسيداً للحرص الاردني على استمرار التنسيق والتشاور مع الاصدقاء الصينيين حيال التحديات الاقليمية والدولية وتعزيز وتوثيق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين وتطوير علاقات التعاون الثنائي في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والسياحية والتنموية والتعليمية والثقافية، ناهيك عمّا يمكن للاردن أن يقدمه من تسهيلات وفتح المزيد من الآفاق أمام القطاع الخاص في كلا البلدين لتعزيز التبادل التجاري والاستثماري والسياحي خاصة ان الاردن يتميز بقدرته على توفير بوابة تمكّن المستثمر الصيني من الوصول الى اكثر من مليار مستهلك للوصول الى الفرص الاقتصادية المتاحة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا في مجال مشاريع البنى التحتية وإعادة الاعمار وبناء القدرات.
جدول أعمال زيارة جلالة الملك للصين حافل ومزدحم ومكثف وبخاصة في شأن الملف السياسي وعلى رأسه تداعيات الازمة السورية وسبل حلّها وملف السلام في الشرق الاوسط وهو ما اضاء عليها جلالته في شكل موسع وقراءة دقيقة عميقة تعكس صدقية الدبلوماسية الاردنية والعمل الدؤوب والمتواصل من أجل التوصل الى توافق عربي ودولي لإيجاد حل سياسي شامل للازمة السورية في ظل ايمان الاردن العميق بأن السبيل الوحيد لحل الازمة هو التوافق على حل سياسي شامل ينبذ الفرقة الطائفية ويحافظ على وحدة الارض السورية وكرامة شعبها.
ولئن أعاد جلالته خلال المقابلة مع الوكالة الصينية ما تتركه الازمة السورية المتمادية من تداعيات ومسؤوليات يتحملها الاردن والاردنيون، فإنما لإعادة التأكيد على مسألة ذات اهمية قصوى رغم ما فاقمته من تحديات اقتصادية واجتماعية وامنية وهي أننا سنواصل القيام بمسؤولياتنا الانسانية تجاه الاشقاء السوريين ما يستدعي وبالضرورة مضاعفة الجهد الدولي في هذا الشأن لمساعدة الاردن، حيث التحديات التي تواجهه كثيرة وكبيرة نتيجة الخدمات التي يقدمها لما يزيد عن نصف مليون لاجئ سوري يتواجدون على اراضيه، اي يشكلون نسبة عشرة بالمائة من السكان، ما يعني - وكما شبه جلالته عن حق - لجوء ماية وثلاثين مليون شخص الى الصين وهي التي تعد ملياراً وثلاثماية مليون نسمة، وهي نسبة كبيرة ومرهقة ومستنزفة للطاقات والامكانات والموارد والبنى التحتية على حد سواء.