الملك .. ثقة بالحاضر وطريق آمن الى المستقبل

في خطاب مفصلي جامع، يتسم بالوضوح والعمق، والقدرة على التشخيص ووضع اليد على الجرح، والإيمان بالمستقبل الواعد، حدّد جلالة الملك عبدالله الثاني التحديات الداخلية والخارجية التي تعترض مسيرة الوطن، مؤكداً -بعزيمة القائد التي لا تلين- قدرة هذا الحمى العربي على تجاوز تلك التحديات والوصول إلى بر الأمان، كما اعتاد دائما بهمة أبنائه الأوفياء.

جلالة الملك حرص في هذا الخطاب -وهو يحتفي بأبنائه خريجي الجناح العسكري في جامعة مؤتة - على أن يقف مطولاً وهو يقلب صفحات الشأن المحلي عند قضيتين رئيستين تستأثران باهتمام المواطنين إولاهما: مسيرة الإصلاح التي يقودها جلالته، وأعلن عنها قبل أن تهب رياح الربيع العربي، مؤكداً -بكل ثقة- أن الهدف من الإصلاح هو تغيير حياة المواطن نحو الأفضل، وأن نجاح العملية الإصلاحية يعتمد على مدى إيماننا بها، ومن هنا شدد جلالته على ضرورة أن تستمرهذه العملية، وضرورة البناء عليها “دون خوف ولا تردد، فإرادة التغيير الإيجابي موجودة وراسخة، ولدينا مؤسسات قادرة على ترجمة هذا التغيير على أرض الواقع، وفق خريطة طريق واضحة المعالم”.

وبشيء من التفصيل لفت جلالته الى أن انجاز الاصلاح السياسي -بصفته مقدمة للعملية الاصلاحية كلها- يتطلب انجاز المحطات الديمقراطية والاصلاحية للوصول الى تشكيل حكومات برلمانية قائمة على أغلبية نيابية حزبية وبرامجية، وهذا يتطلب المزيد من النضوج السياسي، ومأسسة العمل النيابي، والاستمرار بتطوير القوانين ذات الصلة، وبالذات قانوني الأحزاب والانتخاب مع كل دورة برلمانية.

ثانيهما: لقد تحدث جلالة الملك عن ظاهرة العنف التي غزت مجتمعنا، وأدت إلى موت أبرياء، وهي ظاهرة مقلقة جدا وغريبة على قيمنا وعاداتنا وثقافتنا، ولا يمكن السكوت عنها، فهي أمر غير مقبول وغير مبرر على الإطلاق، مؤكداً -بحزم القائد المسؤول- أنه لن يسمح مطلقاً بأن يصبح مستقبل الشباب رهينة للعنف، وهو ما يستدعي معالجة جذرية تقوم على تحقيق العدالة بتوزيع مكتسبات التنمية، ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة وترسيخ الحاكمية الرشيدة للدولة، وتطبيق القانون على الجميع دون تردد أو محاباة، ما يعزز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ويعزز قناعته بأن حقوقه وكرامته لا يمكن ان يُعتدى عليهما.

وفي ذات السياق أبدى جلالته استياءه ممن يحاولون رد ظاهرة العنف إلى عوامل ثقافية أو البنية العشائرية، مؤكداً أن “ثقافتنا وبنيتنا العشائرية الأصيلة لا تقبل العنف، ونحن كلنا أبناء عشائر، وهذا مصدر قوتنا ووحدتنا الوطنية، وأحد أهم أسباب الأمن والاستقرار”.. أو من يحاولون الاصطياد في الماء العكر، وإشاعة الفوضى في أجواء الانفتاح والحرية، معتقدين أن الحكمة والصبر اللذين تعاملت بهما مؤسسات الدولة في المرحلة الماضية نوع من الضعف، مؤكداً أن الأردن قوي وقادر على حماية أرواح أبنائه وممتلكاتهم، وقادر على فرض سيادة القانون، ولا يوجد أحد أقوى من الدولة.. “لكن نحن دولة حضارية قائمة على مبدأ العدالة وسيادة القانون واحترام حرية وكرامة الإنسان”.

على الصعيد الخارجي، وقف جلالته مطولاً أمام الأزمة السورية، مؤكداً أن موقف الأردن الثابت والمبدئي هو ضرورة حل الأزمة حلا سياسياً، كسبيل وحيد لإنقاذ الشعب الشقيق من المأساة التي تطحنه وإنقاذ البلاد من التقسيم إلى دويلات طائفية، مشيرا الى أن تعامل الأردن مع الأزمة السورية انطلق من حماية مصالح الأردن والشعب الأردني، وأنه قادر على اتخاذ الإجراءات التي تحمي هذا الحمى ومصالح شعبه.

وفي غمرة هذه المستجدات لم ينس جلالته التأكيد على موقف الأردن الداعم للقضية الفلسطينية والشعب الشقيق بإقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف، مؤكداً -بكل وضوح وبشكل قاطع- أن أي حديث عن الكونفدرالية لن يكون إلا بعد إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وبإرادة الشعبين، أما الحديث عن الوطن البديل والخيار الأردني والتوطين فهو مجرد أوهام، لا تستحق الوقوف عندها، فالأردن لن يقبل بحل القضية الفلسطينية على حسابه.

مجمل القول: حرص جلالة الملك عبدالله الثاني خلال خطابه التاريخي المعمق على أن يؤكد إصراره على اجتثاث ظاهرة العنف من جذورها، وتحقيق الإصلاح الشامل من خلال تجذير قيم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة والعدالة والمساواة، مؤكداً موقف الأردن الثابت بضرورة حل الأزمة السورية حلا سياسياً، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني.. كسبيل وحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات