موقف .. وموقف!!

المهتمون بالقضية الفلسطينية يعدون الأيام والليالي حتى يوم العشرين من الشهر الجاري موعد زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وما إذا كانت ستحمل جديدًا أم أنها زيارة تندرج في إطار العلاقات العامة وخاصة حول القضية الفلسطينية ولقاءه بمسؤولي السلطة الوطنية الفلسطينية. غير أن مسؤولين أميركيين استبقوا زيارته بالإعلان عن أنه لا يحمل خطة سلام أو أي أفكار تتعلق بملف الصراع العربي ـ الصهيوني، وبذلك يكون هذا الإعلان قد قطع الطريق أمام كل المتابعين لإبداء أي تأويلات أو اجتهادات.


وفي ظل هذا الإعلان يكون أوباما قد ضاعف إحباط المحبطين من دوره المتخاذل والمتراجع جدًّا بشأن رؤيته التي أعلنها في بداية تسلمه الرئاسة في ولايته الأولى والمتمثلة في حل الدولتين، وفي المقابل رفع درجات التفاؤل والانتشاء لدى قادة الاحتلال الصهيوني، وأنه قد أصبح في حل من كل ما أعلنه من مبادرات ورؤى، وبذلك يكون قد أزاح أعباء الاستحقاقات الواجبة على كيان الاحتلال الصهيوني وجنبه كل ما من شأنه أن يجلب إليه الحرج أو العتب، لذلك لا عجب من أن تسير على قدم وساق جهود تشكيل حكومة للاحتلال بقيادة المتطرف بنيامين نتنياهو قبل وصول الرئيس الأميركي، ما يفسر أن التأخير في إعلان تشكيل حكومة الاحتلال ليس كما يروج الصهاينة عن وجود خلافات بين الأحزاب الصهيونية، وإنما السبب هو التريث للتأكد من برنامج زيارة أوباما وما قد يحمله من أفكار تعكر المزاج الاحتلالي الاستيطاني الإقصائي الصهيوني القائم الآن.


لقد وسعت تلك التصريحات المناخات المواتية لكيان الاحتلال الصهيوني للاستمرار في مخططاته الاحتلالية العنصرية، ومعروف عن قادة الاحتلال أنهم لا يُقْدمون على مزيد من الأعمال الإجرامية والعربدة ضد الشعب الفلسطيني خاصة، وضد الشعوب العربية عامة، إلا حين يلتقطون إشارة أو ضوءًا أخضر ينبعث من بين تصريحات حلفائهم، فكما ينظر قادة الاحتلال إلى مقولة "لكيان الاحتلال الصهيوني الحق في الدفاع عن نفسه" على أنها صك قانوني مفتوح، ينظرون إلى التصريحات الموازية لتلك المقولة على أنها ضوء أخضر للاستمرار في العربدة المطلقة، فتصريحاتهم باطلة أريد بها باطل، فما معنى أن يشفع البرلمان الأوروبي ـ على سبيل المثال ـ أمس انتقاده لكيان الاحتلال الصهيوني على وفاة الأسير عرفات جرادات في سجن الاحتلال ومطالبته بالتحقيق في وفاته بـ"التأكيد" على دعمه لكيان الاحتلال وأنه "يتفهم" ما وصفه بـ"القلق المشروع" لكيان الاحتلال على الصعيد الأمني؟


وفي مقابل مثل هذه المواقف الأميركية والأوروبية المنحازة والممالئة للاحتلال الصهيوني، هناك مواقف أخرى داعمة ومساندة للقضية الفلسطينية ومنها الموقف الروسي الذي له تاريخ طويل في نصرة القضية الفلسطينية والتخفيف من الآلام والأعباء عن كاهل الشعب الفلسطيني وليس أدل على ذلك في وقتنا الحاضر من دعم روسيا للشعب الفلسطيني بالتصويت لصالح منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، ثم جاءت مباحثات الرئيس الفلسطيني محمود عباس في موسكو ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لترسخ هذا المفهوم عن الدور الروسي الداعم للقضية الفلسطينية، والذي قد يعوض شيئًا من الخلل الذي تعيشه التوازنات الدولية في هكذا ملف، حيث عبرت موسكو وبوضوح على لسان بوتين عن عزمها القوي على بذل كل ما بوسعها لدعم الشعب الفلسطيني، وهو ما قوبل بشكر من الرئيس عباس بوتين على مواقف روسيا الداعمة.


إن التناقض بين الانحياز المجحف ضد القضية الفلسطينية وبين الداعم الرشيد العادل لها والذي يشكل الموقفين الأميركي والأوروبي من ناحية والروسي من ناحية أخرى، يؤكد وبما لا يدع مجالًا للشك قصر نظر أولئك الذين يصوبون سهام النقد للموقف الروسي في ملفات أخرى ساخنة تغلي المنطقة على نيرانها، ولعل ذلك يرسخ القناعة بمكر ما تردد سابقًا عن تخبط دروب القضية الفلسطينية في فضاء قطبية السيد الأوحد، وأن هكذا نغمة بمثابة خرافة لتثبيط الهمم وقنبلة دخان ماكرة، ترمي إلى وصول أصحاب القضية إلى أقصى مراحل اليأس وترك مقدراتها للأميركي انتظارًا لإطلالاته (البهية!) والتي لا يرجى منها خير على أي حال.
 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات