من المسؤول عن هذا الجرم؟!

مثلما أعطتنا فلسطين المحتلة والعراق ـ ولا تزالان ـ أمثلة على سلوك وتاريخ المحتلين والغزاة، باستهداف البشر قبل الحجر والشجر، فإن سوريا تسير في الطريق ذاته بتدمير البشر بمختلف أجيالهم، وخاصة جيل الأطفال الذين يمثلون مستقبل سوريا وعمادها وثروتها، والذين حذر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أمس من أن أكثر من مليوني طفل سوري قد يصبحون "جيلًا ضائعًا" إذا لم تقدم الأسرة الدولية دعمًا ماليًّا لمساعدتهم، منبهة ـ هذه المنظمة ـ إلى أنه في حال لم يتحسن الوضع ستضطر إلى أن توقف بحلول نهاية مارس الجاري "العمليات الرامية إلى إنقاذ أرواح في سوريا"، لأنها "ستكون عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال مثل الخدمات الصحية وحملات التلقيح ضد شلل الأطفال والحصبة والعمليات الجراحية على الرضع والمساعدة الطبية العاجلة".
وما يلاحظ مما يجري في سوريا الآن أن المستفيد هو ذاته مما جرى ويجري في كل من فلسطين المحتلة والعراق بتدمير القدرات البشرية واستهداف الأجيال، فكما أن جرائم الحرب والحصار والاعتقالات القسرية والجرائم ضد الإنسانية في فلسطين المحتلة أغلب ضحاياها الأطفال، كذلك الحال في العراق الذي فرضت عليه عقوبات اقتصادية ظالمة قضت على أجيال من أطفاله، أعقبتها الحرب الأميركية ضده التي استخدمت فيها الولايات المتحدة وحليفاتها قذائف اليورانيوم المنضب الذي تسبب في أمراض سرطانية وخبيثة خطيرة وتشوهات خلقية لا تزال أجيال أطفال العراق تعاني آثارها إلى اليوم بل وستعاني إلى المستقبل البعيد، لنقف اليوم أمام جريمة جديدة وفق التقرير الآنف الذي يمكن وصفه بأنه قنبلة من النوع الثقيل تلقيها الأمم المتحدة على الأمة العربية وليس على سوريا وحدها، إذ ستحرم هذه الأمة بصورة عامة، وسوريا بصورة خاصة من طاقات أجيال وليس جيلًا واحدًا. والهدف من كل ذلك واضح وهو ضرب هذه الأمة في مقتل من خلال استهداف عصبها الحيوي المتمثل في زهرات أجيالها وشبابها لكي ينشأوا ناقمين على أوضاعهم، مرضى نفسيًّا، تسود بيئاتهم مظاهر القلق والأرق والبؤس، وتتحول حياتهم إلى حياة الضنك، ويكونوا فاقدي القدرة على التفكير والإبداع والعطاء، محصورين في ذاتهم ومشغولين بأنفسهم، لا يميزون بين عدوهم وصديقهم، وينسون أن وراء مأساتهم كيانات وقوى استعمارية تتقدمها مستعمرة صهيونية كبرى.
وعلى الرغم من تواتر التحذيرات التي تدق ناقوس الخطر من استمرار الأزمة السورية على سوريا ووحدتها ووحدة نسيجها الاجتماعي، وسلامة أجيالها ومقدراتها وهويتها، وجغرافيتها، فإن المجتمع الدولي لا يزال يصم آذانه عن سماع الحق، ويعمي أبصاره عن رؤية ما تفرزه سياسة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي السوري وتغذية العنف وتشجيع الأيدي الآثمة على القتل والتدمير، وتشريد الملايين من الأطفال والنساء والشباب وكبار السن، وتتفاوت أشكال التدخل، سواء في تسخير مصانع السلاح أو تسخير الخزائن المالية التي يبدو أن فيوضاتها تثير أعباء كبيرة على أصحابها الذين لم يتورعوا عن مواصلة التحريض والتأليب وشراء الذمم والتضليل والضغط بها على بيع الأوطان، وعقد صفقات السلاح النوعي ومد العصابات المسلحة والإرهابية بها لقتل أجيال سوريا الذين يمثلون مستقبلها، ما يؤكد أن كل ذلك يجري وفق عملية منظمة وممنهجة تستهدف القضاء على كل مظهر من مظاهر قوة الدول العربية وأولها أجيالها.
كان حريًّا بمنظمة الأمم المتحدة وهي تتلو أسفارها لتقص علينا كوارث التدخل في سوريا أن تمارس دورها الحقيقي وتقف أمام مسؤولياتها الأخلاقية وتلجم المتسببين في القضاء على أجيال سوريا والعراق وفلسطين المحتلة، والصائدين في المياه العكرة، وأولهم كيان الاحتلال الصهيوني الذي يحرض رئيسه شمعون بيريز صاحب مجزرتي قانا الأولى والثانية على تدخل قوة تابعة لجامعة الدول العربية في سوريا "لوقف" ما أسماها "المجزرة". طبعًا ما كان لهذا المجرم أن يحرض لولا استناده إلى جامعة الدول العربية التي تماهت في قراراتها مع ما يخدم المشروع الصهيو ـ أميركي في المنطقة، وجعلت القضية الفلسطينية في ذيل اهتماماتها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات