جولة المشاورات التي بدأها رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوم أمس مع الكتل النيابية بهدف الوصول الى توافق لاختيار رئيس الوزراء القادم, تؤشر الى القرار الحاسم الذي اتخذه جلالة الملك عبدالله الثاني منذ فترة طويلة, بالمضي قدماً على طريق الاصلاح والقيام بخطوات جادة ونوعية وملموسة من أجل توفير الزخم لمسيرة الاصلاح واطلاق نهج الحكومات البرلمانية الذي اكد جلالته اكثر من مرة وفي اكثر من محفل وعاصمة اقليمية ودولية قبل انتخابات الثالث والعشرين من كانون الثاني الماضي التي سجلت هي الاخرى قفزة مهمة وحيوية الى الامام بما هي انتخابات نزيهة وشفافة جرت وفق المعايير الدولية وحظيت باشادة من المنظمات والهيئات الحقوقية وذات الاهتمام بالمسار الديمقراطي, المحلية والدولية على حد سواء.

من هنا وفي اطار الرؤية الملكية المتكاملة والشاملة جاء تكليف جلالة الملك لرئيس الديوان الملكي الهاشمي د. فايز الطراونة البدء في المشاورات كآلية لاختيار رئيس الوزراء وانطلاق نهج الحكومات البرلمانية مباشرة بعد افتتاح مجلس الأمة السابع عشر الاسبوع الماضي, ليضع الأمور في اطارها الصحيح وليؤكد للاردنيين جميعاً ان عجلة الاصلاح لن تتوقف وأن الخطوات التي تتم في هذا الشأن مدروسة ومبرمجة ومحددة الاهداف وفي الوقت نفسه تتمتع بمرونة تسمح لها بأن تعيد الحسابات وتقوم بالتقويم وتصحيح الاختلالات إن وجدت بهدف الوصول الى بلورة برنامج عمل حكومي لاربع سنوات تستطيع فيه السلطة التنفيذية ان تقوم بانجازه بمراقبة من السلطة التشريعية التي استشارها رئيس الوزراء المتوافق عليه نيابيا قبل اقرار هذا البرنامج الذي يتيح بدوره للاردنيين أن يسائلوا النواب الذين انتخبوهم حول مدى وجدية هذا البرنامج.

نحن إذاً أمام مشهد اردني جديد ومختلف وأيضا متطور وشفاف يؤسس لآلية ومقاربات جديدة تنهض على بذل كل ما يمكن من جهود لتكريس نهج الحكومات البرلمانية وأيضا في تكامل عمل السلطات الثلاث وبخاصة السلطتين التنفيذية والتشريعية لخدمة المصالح الوطنية في الوقت ذاته التي تتمتع فيه كل سلطة منها بالاستقلالية وعدم السماح لسلطة بالتغول على اخرى او تجاوزها.

ولئن أوضح رئيس الديوان الملكي الهاشمي انه سيرفع الى جلالة الملك جميع وجهات النظر وفق أعلى درجات الامانة والشفافية لاحاطة جلالته بجميع توجهات اعضاء مجلس النواب, فإن الامل معقود بأن يكون السادة نواب الامة عند مستوى المسؤولية والامانة التي حملّها لهم الناخبون في تقديم المصلحة الوطنية على اي مصلحة شخصية او فئوية او حزبية او كتلوية وأن يكون هاجسهم في الاساس هو اختيار او ترشيح او تسمية من تتوافر لديه صفات رجل الدولة والاداء المهني والشخصي والاخلاقي الرفيع والمجرب وأيضا قدرته على ترتيب الاولويات الوطنية وايلاء هموم الاردنيين الاولوية والمكانة التي تستحقها وبخاصة تحسين مستوى معيشة المواطنين وتخفيف الاعباء المعيشية والاقتصادية عنهم وهو الهدف الأول الذي وضعه جلالة الملك عبدالله الثاني على رأس جدول أعماله الشخصي منذ اليوم الاول لتسلمه سلطاته الدستورية.