تهدف رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني في ورقتي النقاش التي طرحهما مؤخرا الى مأسسة الحياة الديمقراطية والنهوض بها، لتصبح خيارا لا بديل ولا رجعة عنه، وقد استقرت في وجدان الاردنيين واصبحت جزءا من تفكيرهم وسلوكهم يمارسونها يوميا.
وفي ذات السياق فإن هذه الرؤية تدعو لبناء الديمقراطية على أسس قوية صلبة، لا تتزعزع ولا ترتجف.. أهمها احترام الرأي والرأي الآخر، والايمان بالحوار كوسيلة لا غنى عنها، لتبادل الافكار والاراء، ما يضمن اغناء التجربة واثراءها، وتفعيل المواطنين من خلال نهج المساءلة، ما يضع المسؤولين والنواب دائما في دائرة المراقبة ما يسهم في قطع دابر الفساد والافساد.
هذه الرؤية التي تستند على توفير العدالة والمساواة لكافة المواطنين تفضي في النهاية الى مأسسة الديمقراطية وتأطيرها في مؤسسات فاعلة وقادرة على مواصلة الاصلاح، والنهوض بالوطن، وفي مقدمة ذلك الحكومات البرلمانية، والتي تعتبر مثالا حقيقيا لتداول السلطة ونموذجا راقيا للفعل الديمقراطي، ولمشاركة المواطنين في اختيار هذه الحكومات.. وهذا يقودنا الى الوجه الاخر للديمقراطية الى ضرورة مأسسة المعارضة، حتى تعطي ثمارها الحقيقية، فالحكومات البرلمانية لا يكتمل دورها، ولا تصبح فاعلة الا من خلال وجود احزاب قوية، تحظى باحترام الناخبين، كما هو الحال في الدول الديمقراطية، التي سبقتنا في الاخذ بهذه التجربة. فهذه الاحزاب هي القادرة على ايصال ممثلين عنها الى البرلمان، وهي القادرة على تحقيق الاغلبية النيابية، وتشكيل الحكومات ذات البرامج الواضحة والرؤية المحددة، وهذا يعني بصريح العبارة ان على مجلس النواب والحكومات القادمة ان يعملا جاهدين لتطوير الحياة الحزبية، لتصبح الاحزاب فاعلة جادة، وقادرة على مخاطبة المواطنين، واقناعهم بضرورة الانتساب الى هذه المؤسسات الوطنية الديمقراطية للمساهمة في عملية الاصلاح والتطوير والتقدم وتجذير التعددية والديمقراطية.
جلالة الملك وهو يدعو لمأسسة المعارضة والحكومات البرلمانية، وتطوير الحياة الحزبية فإنه يعبر بذلك عن إيمانه المطلق بهذا النهج، وضرورة ان يبقى البوصلة التي تراقب مسيرة الاصلاح وترعاها، وتحافظ عليها حتى تبلغ مداها وتعبيد الطريق امام الحوار كوسيلة وحيدة لتحقيق الوفاق الوطني، وتنفيس الاحتقان، وتعظيم الايجابيات.. والتخلص من السلبيات التي تعترض المسيرة وتحرفها عن مسارها الطبيعي .
مجمل القول: لقد حرص جلالة الملك عبدالله الثاني في ورقتي النقاش اللتين طرحهما للحوار ان يلخص رؤيته التي تدور حول مأسسة الحياة الديمقراطية، باعتبار الديمقراطية هي النهج القادر على الاصلاح والتطوير.. وهذا في حد ذاته يستدعي تقوية البنى التي يقوم عليها هذا البناء وفي مقدمة ذلك تجذير العدالة والمساواة والرأي الآخر والمواطنة القائمة على المساءلة وصولا الى مأسسة الحكومات البرلمانية، والمعارضة والحوار.. للحفاظ على مسيرة الإصلاح المباركة وإنجازات الإصلاح التي راكمها الأوفياء.