لقيت الافكار والمضامين المهمة التي تضمنتها الورقة النقاشية التي أعدها جلالة الملك عبدالله الثاني ترحيبا حاراً، وردود فعل إيجابية، ما يشي بأهمية هذه الافكار إن لجهة اعلاء شأن الديمقراطية وقيمها النبيلة، او لجهة دعوة المواطنين الى المشاركة في الانتخابات، اقتراعا وترشيحا.

إن أهمية هذه الورقة تأتي في توقيتها، فقد جاءت في توقيت مهم وهو الترشيح للانتخابات النيابية وبرامج المرشحين، وهو ما دعا جلالته الى الطلب من المواطنين ضرورة مناقشة المرشحين ومحاورتهم في البرامج التي طرحوها لمعالجة المشاكل والقضايا التي تؤرق الوطن والمواطنين، وضرورة توسيع دائرة الحوار ليشمل المواطنين أنفسهم، لافتا النظر الى ان المراقبة والمساءلة من معايير المواطنة، التي ترفض منطق الاغلبية الصامتة، وتصر على المشاركة الفاعلة باعتبارها عنوان الاصلاح.

جلالة الملك وهو يركز على الديمقراطية، وعلى ضرورة بناء مداميك هذا النهج الحضاري، ليصبح بمثابة البوصلة التي ترشد المواطنين الى الطريق الصحيح، وتدفعهم الى تجنب المزالق، فانه بذلك يعظم هذا النهج وايجابياته، باعتباره الوسيلة الافضل للنهوض بالوطن، وحل المشاكل المؤرقة التي يعاني منها المواطنون وفي مقدمتها الفقر والبطالة، وارتفاع الاسعار، والمديونية، وهدر المال العام ومحاربة الفساد والمفسدين والواسطة والمحسوبية..الخ، وخاصة في ضوء تجارب الدول الاخرى التي اخذت بالديمقراطية والتعددية الحقيقية، واستطاعت خلال وقت قصير تحقيق التقدم والازدهار.. وتخلصت من الفقر والتخلف وحققت تنمية مستدامة من خلال مضاعفة الانتاج والدخل القومي، فأنجزت معجزة النهوض بعد ان انجزت معجزة الديمقراطية، بطيها صفحة القمع والاستبداد والفساد، وصفحة الدولة الشمولية، والحزب القائم، والتوريث، واستطاعت ان تقيم الدولة المدنية الحديثة.. وهذا ما تحقق في دول اميركا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا..الخ.

لقد دعا جلالة الملك الى ضرورة تجذير الديمقراطية لتصبح سلوكا يومياً من خلال احترام الرأي الآخر، مؤكداً بأن الديمقراطية تعني التنوع والاختلاف، فلا ديمقراطية دون خلافات في وجهات النظر، ولكنها الخلافات التي لا تؤدي الى الافتراق والطلاق، بل الى تحقيق الوفاق الوطني والبناء على القواسم المشتركة، فلا أحد يملك الحقيقة الكاملة، وان الحوار هو الوسيلة الحضارية الاهم في تنفيس الاحتقانات، وبناء رأي عام موحد، والقضاء على العنف والانغلاق، بعد ان ثبت بأن بديل الحوار هو الاحتكام الى القوة، وما ترتب على ذلك من مآسٍ جرت الخراب والدمار والموت لشعوب شقيقة، وما يجري في سوريا وقبلها ليبيا يدمي القلوب، ويعتبر درساً أليماً لكل من يركب رأسه، ويحتكم إلى قوة السلاح والحلول الامنية.

مجمل القول: الافكار والمضامين المهمة التي تضمنتها ورقة جلالة الملك، هي انحياز للديمقراطية باعتبارها النهج الافضل للنهوض بالوطن والخروج من مربع المراوحة، وهو ما يستدعي العمل على تجذير هذا النهج من خلال احترام الرأي الآخر، والاخذ بنهج الحوار، والمشاركة الفاعلة باعتبارها عنوان الاصلاح، واليد التي تفتح مغاليق المستقبل.

“فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ”.

صدق الله العظيم