في ذكرى مرور عامين على انطلاقة الربيع العربي من تونس الخضراء، وبالتحديد في 17 كانون الاول 2010، حينما اشعل البوعزيزي النار في جسده الطاهر، فانتقل الشرر الى كافة الاقطار العربية، مؤذنا بمرحلة جديدة، تأكدت جملة حقائق اهمها ان لا بديل عن الحرية والديمقراطية وتداول السلطة ولا سبيل لتحقيق اهداف الثورات العربية الا من خلال الحوار الهادف البناء وصولا الى الوفاق الوطني.

ومن هنا، التقطت الجماهير العربية شيفرة الموجة الاولى المنطلقة من تونس فتفجرت المظاهرات والمسيرات رافعة شعار سلمية الحراكات، لتحقيق الاصلاح المطلوب وعلى كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستطاعت ومن خلال تمسكها بسلمية الحراك، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ان تحرج الانظمة التي حاولت جر الحراك الى صدامات عنيفة كما حصل في مصر وتونس واليمن، واضطرت في النهاية الى الرحيل.

وفي هذا السياق، لم يستفد النظامان السوري والليبي من الدروس المصرية واليمنية، فلجأ الى القوة العسكرية والقبضة الامنية، رافضين منطق الحوار، مما ادى الى عسكرة المعارضة بعد جرها الى كمين حمل السلاح، واطلاق شرارة الحرب الاهلية التي فتحت الباب على مصراعيه للتدخل الاجنبي كما حدث في ليبيا وتجسد بابشع صوره في سوريا، ويشي بتقسيم البلاد والعباد، واقامة دويلات طائفية متناحرة، يخشى ان يصل لهيب هذه الحرب القذرة الى دول الجوار بعد فشل الحلول السلمية، والتسليم بالخيار العسكري.

ومن ناحية اخرى، فان النموذج الاردني وقبله المغربي أخذا نهج الحوار، واستطاع جلالة الملك عبدالله الثاني بحنكته، وحكمته، وسداد رأيه، وقبل ذلك بانحيازه للربيع العربي باعتباره فرصة للاسراع في انجاز الاصلاح وتخطي العقبات والصعوبات، ان يحقق الوفاق الوطني والذي تمثل في اجراء تعديلات على اكثر من “40” مادة من مواد الدستور، افضت الى تشكيل محكمة دستورية، وهيئة للاشراف على الانتخابات، وايلاء القضاء منزلة محترمة بصفته ملاذاً للمظلومين، وتقديس الحريات الشخصية، كما اسهمت قرارات جلالة الملك الشجاعة والجريئة في تجنيب البلاد والعباد المزالق والفتن التي ضربت دول الجوار، وأشغلت فيها نار الفتنة والحرب الاهلية التي حولتها الى ارض محروقة لم يخمد اوارها بعد.

مجمل القول: رغم العقبات والصعوبات التي اكتنفت مسيرة الربيع العربي، الا ان هذه المسيرة حققت انجازات مهمة، أهمها ايمان الشعوب بأن لا بديل عن الديمقراطية والحرية والانتخابات النزيهة التي تفضي الى تداول السلطة احتكاما لصناديق الاقتراع، وفشل الحلول العسكرية والامنية، وان لا بديل لتحقيق الوفاق الوطني الا من خلال الحوار البناء الهادف الذي يفضي الى بناء الدولة المدنية الحديثة.