الوضع في مصر مقلق جدا. فالشارع المصري يرى الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي والقوانين المرافقة له من زاويتين متناقضتين تماما: المعارضة ترى أن الإعلان يجرد الثورة من أحد أهم مكاسبها، وهو ضمان الحرية واستقلالية السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.

فالرئيس مرسي، إضافة إلى سلطاته التنفيذية، يتمتع بسلطات تشريعية كاملة بعد أن تم حل مجلس الشعب، والإعلان يكمل "توحيد" السلطات في يدي الرئيس مرسي حيث يجعله فوق هذه السلطة تماما. وهذا وضع لم يتمتع به أي رئيس في تاريخ مصر، بما في ذلك الرئيس مبارك.

كما أن المعارضة المصرية ترى أن الرئيس مرسي أخل بعهوده بأن يعطي الإعلام حرية كاملة، وعدم إغلاق أي صحيفة أو قناة تلفزيونية.


ورغم تأكيدات مؤسسة الرئاسة المصرية بأن هذه الإجراءات موقتة، إلا أن الشعب المصري لديه تاريخ يجعله لا يثق بكل ما يفترض أنه "موقت". فمجلس قيادة الثورة عام 1952 كان يفترض أن يكون موقتا وبقي حوالي 60 عاما. وقانون الطوارئ كان يفترض أن يكون موقتا وبقي حوالي 30 سنة. وإدارة المجلس العسكري بعد سقوط مبارك كان يفترض أن تبقى 6 شهور وبقيت سنتين. فما الذي يضمن أن يبقى هذا الإعلان "موقتا"؟


من ناحية أخرى، يرى أنصار الرئيس مرسي، أن الإعلان ضروري لضمان استمرارية اللجنة الدستورية وعدم حلها، وضمان محاكمة لمسؤولي النظام السابق، وجميع من تلطخت أيديهم بدماء شهداء الثورة. وبما أن الإعلان هو مجرد إجراء موقت لحين إقرار الدستور من خلال استفتاء شعبي، يرى معسكر الرئيس مرسي، أنه لا داعي لمخاوف الشارع المصري، وأن قيادات المعارضة استغلت الإعلان، وبالغت في تخويف الشارع منه، في محاولة لإسقاط الرئيس مرسي وإلغاء نتائج الانتخابات الماضية.


إن الخوف هو في تحويل الصراع في الشارع المصري، من خلاف على إعلان دستوري إلى خلاف على الشريعة. إعطاء صبغة "دينية" للصراع أمر خطير قد يوجد ذريعة ينتظرها البعض للاستقواء بقوى خارجية لتحقيق أطماع قديمة.

وأمام الرئيس مرسي الآن ثلاثة خيارات: إما أن يلغي الإعلان ويبدو ضعيفا أمام معارضيه، مما يفتح الباب أمامهم للقيام بمظاهرات في كل مرة لا يعجبهم فيها قرار ما، وإما الإصرار على الإعلان كما هو وترك الأمور تتدهور أكثر وقد تدخل منعطفا خطيرا للغاية. أما الخيار الثالث فهو تجميد الإعلان لفترة بسيطة، أسبوع مثلا، يتم خلاله التفاوض بين الحكومة والمعارضة، للوصول إلى حل وسط يحافظ على هيبة الدولة ويحقق الحد الأدنى من مطالب الشعب.


وبالطبع فإن الخيار الثالث يبدو هو الخيار الأمثل؛ لأنه يضمن عودة الهدوء والاستقرار إلى الشارع المصري دون غالب أو مغلوب.