تعتبر الطائفية والمذهبية من اشد الاخطار على الامة، فهما كالسوس الذي ينخر في الشجرة الوارفة الظلال فيجعلها هشيما، وكالمرض العضال الذي يضرب الجسم بصمت، ويحيله الى جثة هامدة غير قادرة على المقاومة.
ومن هنا؛ فخروج هذه الظاهرة الى السطح في الظروف الراهنة وفي حقبة الربيع العربي ليس من قبل الصدفة، بل هو عمل مدبر من قبل اعداء الامة الذين وجدوا في اشعال جمرة الطائفية والمذهبية، وسيلة مهمة لتمزيق نسيج الامة، والسيطرة عليها واعادتها الى بيت الطاعة.
وبشيء من التفصيل، نذكر بان المجتمع العربي يقوم على التنوع، وان هذا التنوع هو سر قوته وسر ابداعه، والسبب الرئيس في تكوين الحضارة العربية الاسلامية التي انقذت العالم كله من الجهالة والتخلف، وقادته الى المعرفة والحقيقة وكان انتاج فلاسفتها ومفكريها في الحكمة والفلسفة، والطب والفلك.. وغيرها، هو عماد النهضة الاوروبية للخروج من الظلام الى النور.
لقد فطن الاستعمار مبكرا الى سياسة “فرق تسد” التي اعتمدتها بريطانيا، وهي تسيطر على مستعمرات لا تغيب عنها الشمس، وورثت عنها هذا الارث الكريه الولايات المتحدة الامريكية، التي عملت على اذكاء الفتنة الطائفية في العراق الشقيق عندما وجدت ان المقاومة الباسلة توشك ان تقتلع الاحتلال الامريكي من جذوره؛ فعمدت الى اشعال الفتنة بين السنة والشيعة ونجحت الى حد كبير في ضرب الثورة بعد ان طوّع الجنرال بترايوس الصحوات وجعلها في خدمة واشنطن، وضرب الثورة، واشعل الفتنة الطائفية.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل وجدت واشنطن في نجاح مؤامرتها الخطيرة البشعة في العراق وسيلة لتعميمها على دول المنطقة، خاصة ان جميع هذه الدول مزيج من التعددية والتنوع الطائفي والمذهبي، ففيها الشيعة والسنة والدروز والعلويين والمسيحيين، والاكراد والعرب والبربر.. الخ.
لقد عملت القوى المضادة للثورات العربية على اشعال الفتنة بين الاقباط والمسلمين في مصر الشقيقة لضرب الثورة، فانهارت المليارات من كل حدب وصوب من اقصى الصعيد وحتى الاسكندرية لشراء الذمم والضمائر، ولكن وعي الشعب المصري افشل المؤامرة، التي وجدت التربة الخصبة في سوريا الشقيقة، وفي تقسيم المجتمع السوري الى مسلمين ومسيحيين ودروز وعلويين وسنة وشيعة واكراد وتركمان.. وغيرهم، وسيلة لضرب وحدة هذا المجتمع، ووسيلة لاشعال حرب اهلية في ظل فتاوى التكفيريين التي جرَّت العراق الى مستنقع دامٍ، وها هي المأساة تتكرر في ارض الشام بعد ان تكررت في لبنان خلال الحرب الاهلية 1975- 1990 حيث كان المواطن يذبح على الهوية.
مجمل القول: ان مصطلحي الهلال السني، والهلال الشيعي يعبران عن واقع الحال، وعن الصراع الطائفي بين مكونات الامة وهو صراع خطير وراءه ماكنة العداء الغربي الامريكي وقد يستمر اجيالا، ولا يكسب فيه احد بل الجميع مهزومون، والمنتصر الوحيد هم اعداء الامة، الصهاينة المجرمون الذين لم يحققوا انتصاراتهم الا بسبب تمزق الامة وخلافاتها، وان لا سبيل للخروج من هذا المستنقع الا بالاعتصام بقوله تعالى “ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون”. صدق الله العظيم.