ليس من المبالغة في شيء القول بأن نجاح الجهود المصرية، المدعومة عربيا وإسلاميا ودوليا كذلك، في التوصل إلى تفاهمات بين الفصائل الفلسطينية في غزة بقيادة حركة حماس، وبين حكومة بنيامين نتانياهو، تقضي بوقف إطلاق النار، ومن ثم وقف العدوان الغاشم على قطاع غزة بعد ثمانية أيام من التدمير المتعمد، قد قوبل بترحيب فلسطيني وعربي وإقليمي ودولي واسع النطاق، ولم يكن رد الفعل الإسرائيلي مختلفا عن ذلك في الواقع، خاصة وأن إسرائيل كانت تريد بالفعل وقف القتال الذي عمدت هي نفسها إلى تصعيده بشكل خطير، في اليومين الأخيرين له.


ومع الوضع في الاعتبار الحجم الهائل للتدمير الذي أحدثته الطائرات الحربية الإسرائيلية في المرافق، والمباني والمنشآت الخدمية والرسمية في القطاع، وعلى نحو يشكل انتهاكا لكل الأعراف والمواثيق الدولية، خاصة في ظل العدد الكبير من الشهداء والجرحى الفلسطينيين، والعدد الكبير من الأطفال والمدنيين من بينهم، إلا أنه من الواضح أن أبناء الشعب الفلسطيني الشقيق، في غزة والضفة الغربية وخارجهما أيضا، لا يأبهون بالحجم الكبير من الخسائر التي حدثت، لأنهم يشعرون، وبحق أنهم استطاعوا الصمود في وجه الآلة القتالية الإسرائيلية الضخمة والمتطورة .

صحيح أن خسائرهم كبيرة، ولكن الصحيح أيضا هو أن الصواريخ الفلسطينية وصلت في الحرب الأخيرة إلى مناطق لم تكن تصلها من قبل، بما في ذلك مشارف القدس المحتلة وتل أبيب، وغيرهما، وهو ما دفع بالكثير من الإسرائيليين إلى اللجوء إلى المخابئ خلال أيام الحرب، أو معظمها على الأقل، ومن ثم أجبروا حكومة نتانياهو على التعامل مع متغير جديد لم يكن يحدث من قبل، بل إن أحد أهداف الحرب ضد قطاع غزة، حسبما ادعت حكومة نتانياهو، كان القضاء على الصواريخ التي تطلق من قطاع غزة في اتجاه البلدات الإسرائيلية .

وعلى ذلك فان هذا الهدف لم يتحقق في الواقع، بل إن الحرب أوالعمليات العسكرية توقفت في ظل شروط متبادلة بين حماس وإسرائيل، ارتكزت على وقف إطلاق الصواريخ والقذائف الأخرى من قطاع غزة، في مقابل وقف إسرائيل لعدوانها وملاحقاتها للفلسطينيين ، وفتح المعابر وتسهيل حركة الفلسطينيين والبضائع عبرها، في إطار التفاهمات التي ضمنتها مصر، والتي دخلت حيز التنفيذ مساء أمس الأول الخميس.


وبينما أشادت مختلف الأطراف بالجهود والدور المصري في التوصل إلى وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، فانه من الأهمية بمكان أن تواصل إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية الالتزام به، وبشكل تام، ليس فقط للوفاء بالتعهدات المتبادلة بين الطرفين، ولكن أيضا لان وقف القتال وأعمال العنف في قطاع غزة يشكل في الواقع مصلحة لكل الأطراف، فهو بالقطع مصلحة فلسطينية، كما أنه مصلحة إسرائيلية كذلك، هذا فضلا عن انه مصلحة إقليمية، بحكم انه ـ وقف القتال ـ وضع حدا لمخاطر عديدة كانت مرشحة للظهور إذا استمرت أعمال القتال والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة . ولذا فإنه من المهم والضروري أن يتم الالتزام بالتفاهمات التي تم التوصل إليها لأنها في صالح كل الأطراف.