بعد ثمانية أيام من تساقط الحمم من الجو والأرض والبحر على غزة وأهلها الصامدين، وبعد الرد القوي الذي أدهش إسرائيل والعالم من فصائل المقاومة الفلسطينية ضد العدوان الإسرائيلي، عاد الهدوء ليخيم مرة أخرى على قطاع غزة، وخلت الأجواء إلا من هتافات النصر التي يطلقها بحق أبناء هذا البلد المقاوم فرحا بانتصار إرادتهم على آلة الحرب الصهيونية، وبلجوء قيادتهم إلى صوت العقل لإيقاف المجزرة التي كان أبناء القطاع يتعرضون لها على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، وبمباركة دول كثيرة فاعلة على رأسها الولايات المتحدة.


هذه ليست أول مرة يتعرض فيها قطاع غزة لعدوان إسرائيلي بشع، وقد لا تكون الأخيرة. فجروح الفلسطينيين لم تندمل بعد من العدوان الذي تعرضت له غزة في نهاية 2008 وبداية 2009، الذي أدى لسقوط مئات الشهداء والضحايا الفلسطينيين.

لكن الظروف الداخلية والإقليمية كانت مختلفة إلى حد كبير. ففي الداخل، شكلت قدرات فصائل المقاومة الفلسطينية الصاروخية وجرأتها في استخدامها لقصف مناطق وصلت إلى تل أبيب نفسها مفاجأة صاعقة لقادة إسرائيل الذين اضطروا للنزول إلى الملاجئ لحماية أنفسهم.

وفي الوقت الذي أشعلت هذه الصواريخ حماس الشارع الفلسطيني والعربي، أصابت الشارع الإسرائيلي بالهلع وشكلت عامل ضغط كبير على قادة الكيان الصهيوني للوصول إلى تفاهم يوقف تساقط الحمم على مدن ومستوطنات إسرائيل.

وعلى الصعيد الإقليمي، أثبتت مصر الثورة أنها قادرة على تحمل مسؤولياتها في حماية الاستقرار الإقليمي دون التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني. ولعبت القيادة المصرية الدور الأهم في رعاية تفاهم لوقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية وحكومة الكيان الصهيوني. ولعل من اللافت أن كلا من الحكومة الإسرائيلية وقادة الفصائل الفلسطينية أعربوا عن ثقتهم بالقيادة المصرية وقدرتها على ضمان تنفيذ التعهدات الواردة في التفاهم.


ومن ناحية أخرى، فشل نتنياهو في تحقيق انتصار حاسم يساعده على دخول الانتخابات القادمة وتحقيق فوز سياسي فيها، بل إن منافسه شاؤول موفاز أعلن عن قناعته بأن تفاهم الهدنة حقق جميع شروط المقاومة الفلسطينية وشكل هزيمة لإسرائيل.

أما الفصائل الفلسطينية فقد بدأت تتعرض لضغوط كبيرة من الشارع الفلسطيني لاستغلال هذه الفرصة والقيام بخطوات جادة تؤدي إلى الوحدة الوطنية بين جميع الفصائل الفلسطينية في الضفة والقطاع للوقوف في وجه أي عدوان جديد.


لكن أحد أهم الدروس التي أفرزها هذا العدوان هو ضرورة أن تحتفظ المقاومة الفلسطينية بقدرات عسكرية كافية لردع أي عدوان إسرائيلي مستقبلي، تماما كما لعب ذلك دورا هاما في منع إسرائيل من الاجتياح البري للقطاع.
لقد انتصرت الإرادة الفلسطينية وساد صوت العقل ليعود الهدوء إلى شوارع غزة.