من الواضح أن اسرائيل فوجئت برد فعل المقامومة الفلسطينية على عدوانها الراهن على قطاع غزة، وهذا الصمود في القطاع على الرغم من تصاعد عدد الشهداء والجرحى هناك هو الأساس في أي تهدئة يتردد أنه تم التوصل إليها بين الفصائل الفلسطينية ناحية والحكومة الاسرائيلية من الناحية الأخرى.
والمفروض أن تتضمن هذه التهدئة رفعا كاملا للحصار المفروض على القطاع منذ خمس سنوات ضمن شروط أخرى.
والظاهرة الثانية التي تلفت الأنظار هو التلاحم بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد والتضامن أمام العدوان الاسرائيلي.
وقد تجلى هذا التلاحم خصوصا في الضفة الغربية بما فيها القدس، فسقط شهداء وأصيب جرحى واعتقل العديد من الشبان خلال الاحتجاجات على هذه الحرب وما تخللها من المجازر بحق المدنيين خصوصا الأطفال والنساء والشيوخ ما فضح الوجه الحقيقي للحكومة الاسرائيلية وعدم اكتراثها بحياة المدنيين العزل واستهانتها بالقوانين الإنسانية ومواثيق جنيف حول تجنيب المدنيين ويلات الحروب وآلامها.
وليس خافيا على أحد، لاسيما المراقبين والمحللين السياسيين أن أحد أهداف العدوان الاسرائيلي على غزة هو اختبار ردود فعل دول الربيع العربي على هذا العدوان، وكان التركيز وما يزال على مصر تحديدا، لأن مصر لها خصوصية معينة، فضلا عن قيادتها الجديدة المنتخبة ذات التوجهات الإسلامية، فهي ترتبط بمعاهدة سلام هي محل جدل في أرض الكنانة.
وبالتالي فإن هذا العدوان استدعى رد فعل كان مختلفا عن رد فعل نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. وهو ليس دور الوسيط المحايد، وإنما هو إلى حد كبير دور المساند للشعب الفلسطيني الذي يتعرض منذ ثمانية أيام لحمم القذائف والصواريخ التي تقذفها الطائرات الحربة الاسرائيلية.
وحين يتم تحديد دول الربيع العربي تذكر تونس بالإضافة لمصر وليبيا. وقد أوفدت تونس وزير خارجيتها للتعبير عن تضامن الشعب التونسي مع أهالي قطاع غزة، ومن المقرر أن يصل وفد ليبي رفيع المستوى إلى القطاع للغاية نفسها.
إلا أن توقيت العدوان جاء في وقت لم يشتد فيه عود أنظمة الربيع العربي، وما تزال مؤسساتها الوطنية في دور التكوين.
ومن هنا فإن ردود الأفعال في هذه الدول وإن كانت إيجابية من حيث أنها متقدمة على ردود فعل الأنظمة البائدة، فما يزال هناك الكثير مما يمكن لها القيام به لمواجهة الصلف الاسرائيلي، وحماية مواطني غزة من الآلة العسكرية الاسرائيلية الشرسة.
هناك تغييرات جذرية في العالم العربي جعلت ردود فعل العرب مختلفة للغاية عما كانت عليه خلال عدوان ٢٠٠٨-٢٠٠٩.
ففي حين أعلنت وزيرة الخارجية الاسرائيلية في حينه تسيبي ليفني عن النية لشن الحرب على غزة من القاهرة وكان بجوارها نظيرها المصري أحمد أبو الغيط الذي لم يقم بأي رد فعل وكأن الأمر لا يعنيه، فإن الرئيس المصري محمد مرسي سحب سفير بلاده في اسرائيل في اليوم الأول من العدوان الحالي، وفتح مستشفيات مصر المدنية والعسكرية أمام مصابي العدوان، وأوفد رئيس وزرائه هشام قنديل إلى غزة لإظهار التضامن مع الفلسطينيين هناك وإدانة الهجمات الغاشمة على المدنيين الأبرياء.
ولمصر والجامعة العربية دور مهم في جهود التهدئة، وهم يتمسكون بالشروط التي وضعتها الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها رفع الحصار الجائر عن قطاع غزة. ومن المؤكد أن هذه التغيرات في العالم العربي قد فاجأت اسرائيل وأظهرت لها خطأ حساباتها.
فغزة لم تعد تقف وحدها، والشعب الفلسطيني بدأ في الاستناد إلى مؤازرة الأشقاء العرب خلال نضاله لتحقيق مطالبه الوطنية في سلام عادل، ودولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وحل لقضية اللاجئين وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وإنهاء الاحتلال والاستيطان بكافة مظاهرهما وأشكالهما.