لم يكفر الاردنيون بأمتهم، ولم يتخلوا يوماً عن دعم قضاياها العادلة، وبقوا في خندق القضية الفلسطينية ولا يزالون حتى يعود الحق الى أهله والقدس الى أمتها، ويصدع مؤذن الاقصى بالتكبير وقد انجلى الليل ورحل الاحتلال.
وفي هذا الصدد فلا بد من التأكيد ان هذا الموقف الاردني لم يكن صدفة، ولا علاقات عامة.. بل هو كالدماء تسري في عروق هذا الحمى، وعروق قيادته وابنائه البررة، وهو جزء من كيانه، واساس شرعيته منذ ان دعا الحسين بن علي الى تحرير العرب وتوحيدهم، وقد رفض المساومة على ذرة من تراب فلسطين، وها هو يتوسد تراب أقصاها مع جنود الفتح وجنود صلاح الدين الذين استشهدوا بعد تحريرها من الصليبيين، وعلى نفس الدرب استشهد ابناء الجيش العربي في ساحات الاقصى، ولا تزال دماؤهم حرى تهيب بالأمة لتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
ومن هنا فوقوف الاردن مع غزة، ودعوة جلالة الملك الى ضرورة وقف العدوان، ورفع الحصار، لم يكن موقفاً طارئاً، أو جديداً، بل هو استمرار لثوابته، واستمرار لدعمه للشعب الفلسطيني الشقيق في نضاله العادل لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وعودة اللاجئين الى مدنهم وقراهم بموجب القرار الاممي 194.
وفي هذا الصدد لا بد من التذكير بخطاب جلالة الملك عبدالله الثاني التاريخي في الامم المتحدة, ودعوته المجتمع الدولي بضرورة انصاف الشعب الفلسطيني، فهو الشعب الوحيد في العالم الذي لا يزال تحت الاحتلال، ولم يحظ بالعدالة، محذراً من استمرار هذا الوضع اللاانساني ونتائجه الكارثية على المنطقة والعالم، ما يفرض حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، يفضي الى اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الاراضي المحتلة عام 1967، وفي حدود الرابع من حزيران.
ولم يكتف جلالته بهذا، بل عمل على توظيف مكانة الاردن ودوره المحوري في المنطقة لتحقيق الحل العادل والشامل، كسبيل وحيد لنزع فتيل الانفجار القادم لا محالة، ودعا واشنطن والدول الاوروبية اكثر من مرة الى ضرورة بذل جهودها للخروج من المأزق الذي وصلت اليه عملية السلام، بعد فشل المفاوضات بفعل اصرار العدو الصهيوني على الاستمرار في الاستيطان والتهويد.
ومن ناحية اخرى, حذّر جلالة الملك ومن موقع مسؤولياته التاريخية وشرعيته الدينية من تراجع مكانة القضية الفلسطينية على الاجندة العربية والدولية، بفعل مستجدات الربيع العربي، مؤكدا ان هذا التراجع يغري العدو بالتسريع في تنفيذ خططه ومخططاته التوسعية التهويدية.
حظيت القدس والاقصى باهتمام أردني ملحوظ، فعلاوة على ان الاردن مسؤول عن الاماكن المقدسة بموجب معاهدة وادي عربة الا ان اهتمام هذا الحمى والهاشميين بها يرجع الى عهد الحسين بن علي وعلى خطاه سار ابناؤه واحفاده في الحفاظ على الاقصى وقبة الصخرة المشرفة وتخصيص كل ما يلزم لصيانتهما وتعميرهما، ليبقيا شوكة في خاصرة العدو الصهيوني.
مجمل القول: يصر الاردن على التمسك بثوابته القومية، ولا يتنكر لحقوق الامة ولقضاياها العادلة، ويصر على دعم القضية الفلسطينية بكل ما يملك.. استنادا لمسؤوليته التاريخية وشرعيته الدينية، فإقامة الدولة الفلسطينية مصلحة أردنية قبل ان تكون فلسطينية، فالاردن كان وسيبقى وحتى تقوم الساعة هو الاقرب على فلسطين والاوفى لقضيتها ولشعبها.