إذا كان من المؤكد أن ميزان القوى العسكري بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة هو لصالح إسرائيل، وذلك من خلال الأرقام ونوعيات السلاح وغير ذلك من المفردات المعروفة في هذا المجال، إلا أن المؤكد كذلك هو أن الموقف بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل لا يتم حسابه بالمعايير التقليدية المعروفة، ويزداد وضوح ذلك في مثل هذه الظروف الجارية التي يتعرض فيها قطاع غزة إلى أبشع أشكال العدوان التدميري التي ترتكبها القوات الإسرائيلية على امتداد الأيام الأخيرة.

نعم قامت وتقوم القوات الإسرائيلية بعمليات إبادة ممنهجة ومتواصلة ضد الفلسطينيين، وأنها تعمد الآن إلى استمرارها وتصعيدها إلى أبعد مدى من اجل إحداث أكبر خسائر ممكنة في صفوف الشعب الفلسطيني الشقيق، ولكن انطلاقا من هذه النقطة ذاتها فإن الصمود الفلسطيني هو المعادل الحقيقي للتفوق العسكري الإسرائيلي.

 والأكثر من ذلك هو أن القيمة الكبيرة للصمود الفلسطيني تتمثل في أن هذا الصمود واستمراره هو ما يسلب التفوق الإسرائيلي قيمته، بل ويفقد الإسرائيليين في الواقع الثقة في قدرتهم على تحقيق أهداف العدوان الهمجي الغاشم.

 وحتى بعد ارتكاب القوات الإسرائيلية مجازر ضد الأطفال والمدنيين الفلسطينيين العزل وهدم المباني فوق رؤوس الأسر الفلسطينية، فإن الدم الفلسطيني يزيد في الحقيقة من إرادة صمود الفلسطينيين ويقوي من عزائمهم برغم الصور المأساوية للأطفال التي يتم انتشال جثثهم من تحت الأنقاض في شوارع غزة.

وإذا كان من المعروف تاريخيا أن صمود الشعوب وإرادة الاستقلال لديها تنتصر في النهاية على جحافل الغزاة، مهما طال الزمن، فإن الفلسطينيين يقدمون الآن صورة ناصعة أخرى من صور الصمود الشعبي، وقد بدأ هذا الصمود يحقق نتائجه على الأرض برغم كل الخسائر المتزايدة في الأرواح وإعداد الجرحى.

ومما له دلالة عميقة أن إسرائيل برغم جبروت قواتها إلا أنها هي التي طلبت بالفعل وقف إطلاق النار حسبما أعلنه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خلال مؤتمره الصحفي بالقاهرة، كما تقوم مصر وأطراف عربية أخرى بدور نشط من اجل العمل لوقف إطلاق النار والتوصل إلى تهدئة اكثر استمرارا وثباتا بين حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى وبين إسرائيل.

ومع الوضع في الاعتبار ما قد تتمخض عنه الجهود والمساعي المصرية المبذولة لتحقيق التهدئة في قطاع غزة، فإنه من الأهمية بمكان أن يشعر الفلسطينيون بقدر أكبر وأكثر عمقا من التضامن العربي، الشعبي والرسمي، معهم في محنتهم التي يدفعون ثمنها من أرواحهم ودمائهم، وهو ما يراه الجميع في المنطقة وعلى امتداد العالم.

 ومن ثم فإن الدعم العربي القوي والمستمر للأشقاء الفلسطينيين، في مواجهتهم البطولية للعدوان الإسرائيلي الغاشم، من شأنه أن يفشل أهداف عدوان القوات الإسرائيلية ضد قطاع غزة، والذي تتجاوز وحشيته وحشية عدوانها ضد غزة في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009. وسوف يكون ذلك مقدمة لتعديل الموازين، فالصمود الفلسطيني والدعم العربي قادر على تصحيح هذا الخلل في النهاية