تصر المنظمات الدولية، وبعض المسؤولين الغربيين والشرقيين على استخدام جملة "ضبط النفس"، في إشارة إلى إسرائيل، وكأنها ـ على الدوام ـ مدافعة، وليست معتدية اعتداء ضاربا بجذوره في العمق التاريخي، وهي جملة أميركية الصنع، استطاعت الولايات المتحدة تصديرها منذ سنوات طويلة، لتكون شعارا للانحياز، ودليلا على الكيل بمكيالين.

إن فصل الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، عن سياقها التاريخي، يعني تمييع القضية، وإحلال المعتدي مكان المعتدى عليه، وهو ما تريده إسرائيل، وقد تحقق لها، إذ طالب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي إسرائيل بالالتزام بضبط النفس "في ردها على الصواريخ التي تطلقها الفصائل الفلسطينية"، مضيفا: "المجتمع الدولي يتوقع أيضا أن تظهر إسرائيل ضبط النفس"، فيما دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية هوا شونيانج إلى التزام أقصى درجات ضبط النفس، وكان يخص إسرائيل بذلك.

ليس ما تفعله إسرائيل ردة فعل، وليس دفاعا عن النفس، وليس محاولة للحفاظ على "أمن إسرائيل"، وإنما هو عدوان، وحرب إبادة حقيقية، ضد قطاع محاصر، ولو لم يكن كذلك، لما آل إلى صفة التصعيد التي تستلزم المقاومة حتى جاءت هذه المرة متجاوزة ـ في شكلها وآثارها وقوتها ـ لتوقعات الإسرائيليين أنفسهم، بحيث لم تعد الصواريخ الآتية من القطاع سببا هشا يبرر الاعتداءات، بل باتت ذا أثر حقيقي، مما يشكل تحولا مهما في تاريخ الصراع، وخطوة أهم في طريق انتزاع الحق المسلوب.

قطاع غزة، ومنذ سنوات طويلة - قد تتجاوز عمر "حماس"- يشكل هاجسا حقيقيا لإسرائيل، لأنه مكان مشحون بالروح المقاومة، نتيجة ما عاناه ويعانيه من الويلات، ونتيجة كونه المفر الإعلامي الإسرائيلي من تسليط الأضواء على عمليات التهويد والاستيطان في الضفة الغربية والقدس.

ما يحدث في غزة، بين آن وآخر، من اعتداءات إسرائيلية صارخة، إنما هو عمل سياسي في الأصل، يهدف إلى تصويرها بوصفها قطعة خارج إسرائيل، من أجل ابتلاع مناطق أخرى ـ أكثر أهمية ـ في حين ينشغل العالم بالدعوات المتكررة إلى "ضبط النفس".