إذا كان الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يكن يصدق نفسه قبل فوزه بالولاية الأولى في الانتخابات الرئاسية بأن يكون مرشح الحزب الديمقراطي في مواجهة غريمه التقليدي الحزب الجمهوري حين قال "من كان يتصور أن أسود في العقد الخامس من عمره اسمه باراك أوباما سيصبح يومًا مرشح الحزب الديمقراطي"، فإن أوباما تعيد الولايات المتحدة اليوم انتخابه لولاية ثانية ليكون رئيسًا لها لأربع سنوات أخرى، وليس مرشح الحزب الديمقراطي، حيث أفادت النتائج غير الرسمية بحصول أوباما على (303) أصوات بنسبة 50% مقابل 49% لخصمه ميت رومني مرشح الحزب الجمهوري.
إن أيًّا كان رئيسًا للولايات المتحدة باراك أوباما أو ميت رومني، لا فرق ولا جديد في السياسة الأميركية وخاصة ما يتعلق بالسياسة الخارجية التي تمس قضايانا، فهما وجهان لعملة واحدة، لأن الرئيس ينفذ ثوابت السياسة الأميركية ليس إلا، ويأتي في مقدمة هذه الثوابت التي تقوم عليها السياسة الأميركية الدعم المطلق وغير المشروط لكيان الاحتلال الصهيوني الغاصب، وتأمين المصالح الأميركية في المنطقة، والعمل على استمرار هيمنة القوة العظمى على العالم.
لقد أطلق أوباما في حملته الانتخابية الأولى شعار "التغيير"، سعيًا منه إلى تحسين صورة الولايات المتحدة التي تهاوت بسبب السياسات الحمقاء التي اتبعتها الإدارة الجمهورية السابقة أو إدارة من يسمون بالصقور أو التحالف اليميني ـ الصهيوني، إلا أن "التغيير" الذي هلل وكبر له المدغدغة عواطفهم من العرب، والمخدوعون والمنبهرون بالأميركي من العرب جعل السنوات الأربع وهي عمر الولاية الأولى، سنوات عجافًا على صعيد قضايا المنطقة الساخنة، سواء كانت القضية الفلسطينية حيث التأييد المطلق لسياسات الاحتلال والاستسلام التام أمام غول الاستيطان وجرائم الحرب والاغتيالات التي تطول الشعب الفلسطيني، بل ومحاربة الإدارة الأميركية الديمقراطية للشعب الفلسطيني ومنعه من الوصول إلى حقوقه وإعاقة سعيه نحو التحرر ونيل الاعتراف في الأمم المتحدة، ولم تتورع الولايات المتحدة تحت القيادة الأوبامية عن معاقبة منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلم (اليونسكو) بقطع المساهمات المالية عنها، وذلك لاعترافها بالمواقع التاريخية الفلسطينية، أو ما يخص الوضع العربي ككل في العراق وليبيا واليمن وسوريا والصومال، حيث الدماء تسيل أنهارًا بسبب السياسة الأميركية المنطلقة من ثابت الدعم الأعمى المطلق للكيان الصهيوني الغاصب ولسرقته حقوق الشعب الفلسطيني، وتوفير الغطاء القانوني والدبلوماسي والسياسي والدعم العسكري والمادي لضرب استقرار المنطقة وزعزعة أمنها.
وعلى الرغم من البراهين التي تقدمها الولايات المتحدة على ثوابت سياستها، فإن هناك من لا يزال غارقًا من العرب في محيطات الوهم التي نجح الأميركيون في شقها في المنطقة، بأن سنوات الولاية الثانية لأوباما ستكون سنوات خضرًا على دول المنطقة وشعوبها، حيث سيتحرر ـ كما يتوهم الواهمون ـ من القيود التي كانت تكبله في ولايته الأولى، فحل الدولتين سيبزغ فجره رخاءً وعدلًا وإنصافًا للشعب الفلسطيني، وسيوضع حد لسرطان الاستيطان والتهويد، وستنطلق مفاوضات الحل النهائي، وغيرها من الأحلام التي ما هي سوى أضغاث. بل كانت هناك رغبة كبيرة لدى نفر غير قليل من هؤلاء العرب في فوز أوباما بولاية ثانية تمثل أحد أوجهها بعقد صفقات تسلح بالمليارات من الدولارات التي أدارت تروس الاقتصاد الأميركي وقللت نسبة "البطالة"، ولكن ليس من أجل حل القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، وإنما لإكمال مشوار ما بدئ تحت مظلة الوهم والكذب المسماة "الربيع العربي" وهو إسقاط أنظمة عربية وتفتيت دول المنطقة وتمزيق عراها وأواصرها ووحدتها، يترافق مع ذلك الخلاف الطائفي والمذهبي الذي بذرته الولايات المتحدة في العراق، والذي زاد استشراء في العهد الأوبامي ليطول المنطقة بأسرها.
إن ما يمكن قوله إن الفترات الرئاسية التي يتناوب عليها الحزبان الأميركيان (الديمقراطي والجمهوري)، لم تكن سوى ربيع صهيوني ـ أميركي بامتياز، وخريف عربي بامتياز أيضًا.