حينما يتعرض الوطن للخطر، وتعصف به المستجدات والمتغيرات، يتحتم على ابناء شعبه الوفي الترفع عن الخلافات والاختلافات والاحجام عن المناكفات. وتجاوز الانقسامات والتوجه جميعا رجالا ونساء، قلبا واحدا، ويدا واحدة، الى قبلته المقدسة، والاصطفاف في خندقه، للذود عنه والدفاع عن وجوده، وحريته واستقلاله، ليبقى عزيزا، كريما مهابا.
لقد أثبت الاردنيون بقيادتهم الهاشمية الابية، ومنذ اقامة هذا الحمى العربي انهم دائما الاوفياء والمخلصون، القابضون على جمر العهد والوعد، ما خانوا الامانة، وما جبنوا في ساعات الروع، وهم يتعاهدون على الشهادة والتضحية “المنية ولا الدنية” لتبقى الراية عالية والجباه مرفوعة، والهامات منتصبة لا تطأطئ الا للباري عز وجل.
ومن هنا فنحن مطمئنون ان الاردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، وجهود ابنائه الذين جبلوا على الوفاء، والاخلاص للعرش الهاشمي، والالتفاف حول الوحدة الوطنية، قادر على تجاوز الازمة الاقتصادية والمالية الخطيرة التي يمر بها، كما تجاوز أزمة 1989، وغيرها من ازمات ومؤامرات استهدفت كيانه العربي وقيادته ورموزه الشامخة، فعض على الجرح، ومضى يكمل المسيرة والمشوار حتى اصبح واحة أمن واستقرار، ودولة قانون ومؤسسات، ومثالا في دنيا العرب والمسلمين في حراكه السلمي الديمقراطي المتحضر، الذي احتضنه ورعاه جلالة الملك، فخلال اكثر من عشرين شهرا على مرور هذا الحراك، لم تسفك قطرة دم واحدة، ولم يكسر لوح زجاج، او يقطع غصن شجرة بل كان الجميع من العقبة وحتى الرمثا حريصين على النظام العام, واحترام القانون وحماية الممتلكات العامة والخاصة، في حين تحولت ساحات عدد من الاقطار العربية المجاورة الى ميادين معارك بين المعارضة والسلطة. لرفض الاخيرة احترام ارادة الشعب وحقه في التظاهر السلمي والمطالبة بحقوقه في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة فاحتكمت الى السلاح وجرت البلاد الى حرب اهلية تشي بتقسيمه الى دويلات طائفية متناحرة.
اننا على قناعة تامة بان المواطنين لن يخذلوا هذا الوطن، وسيبقون - كما كانوا في صفه - ولن يبخلوا بالتضحية، وتحمل المشاق وشظف العيش والصبر وقد جبلوا عليه، ليبقى الاردن عزيزا كبيرا، لا تنال منه السهام الطائشة، واشاعات الطابور الخامس، التي تحطب في حبال العدو الصهيوني.
ومن ناحية اخرى فان الحكومة والتي اخذت على نفسها ان تضع المواطنين كافة في صورة الاوضاع الاقتصادية الخطيرة، التي تمر بها البلاد، وخطورة هذه الاوضاع، واتخاذ القرارات بمنتهى الشفافية والوضوح ان تحرص - كما وعدت - على ايصال الدعم الى مستحقيه، وعدم زيادة معاناة الطبقات الفقيرة، وذوي الدخل المحدود، والحفاظ على الطبقة الوسطى وان تعيد النظر في قانون الضريبة، والاخذ بتجارب الدول الاخرى في هذا المضمار من حيث ان تكون تصاعدية، وان ترسخ نهج التقشف في عمل الوزارات بوضع حد لاسطول سيارات الحكومة، وشطب النفقات الزائدة.. الخ، ما يتلاءم مع مرارة الاوضاع الاقتصادية التي يمر بها الوطن، ويتجرعها المواطن.
ومن ناحية اخرى، فلا بد من تذكير الدول الشقيقة بالضريبة التي يدفعها الاردن للحفاظ على امن واستقرار المنطقة، وقد ثبت خلال العقود الماضية انه كان الحائط الصلب لحماية أمن الدول الشقيقة، واستطاع بدماء ابنائه الطاهرة، ان يصد الغزوة الصهيونية والرياح الصفراء من الوصول الى الاشقاء.
مجمل القول: ان الاوضاع الاقتصادية والمالية الخطيرة التي يمر بها الاردن، وتهدد استقراره وامنه تستدعي من كافة المواطنين والقوى السياسية والحزبية ان تتجاوز خلافاتها واختلافاتها، وان تلتقي جميعا في خندق الوطن لحمايته والدفاع عنه، وصد رياح السموم التي تهدد وجوده واستقلاله.
“فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ” صدق الله العظيم.