لقد كان ملاحظًا في الآونة الأخيرة تكثف العمليات الإرهابية الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث تواصل القصف من الجو والبر والقرصنة في البحر على سكان القطاع، وتوعد جيش الإرهاب الإسرائيلي الفلسطينيين في غزة بردود قاسية تفوق ما شهدوه من قبل من جرائم حرب إسرائيلية.
إن الكيان الإسرائيلي الغاصب وهو يمارس إرهابه المتعاظم بحق الشعب الفلسطيني يشعر بأريحية لم يشعر بها من قبل في تنويع صنوف إرهابه، فهو قد تخلص تمامًا من ربقة كافة الضغوط أو الإحراجات أو المآخذ التي يمكن أن تؤخذ عليه؛ إذ كل الطرق أصبحت مبسوطة أمامه وممهدة ومؤمنة من كل النواحي، سواء من حيث الوضع العربي الذي يشهد ـ كما يحلو لحلفاء الاحتلال وداعميه تسميته ـ بـ"الربيع العربي" الذي أوجد أوضاعًا لم تكن مواتية للاحتلال الإسرائيلي بالقدر الذي أتاحه له الآن ليمضي قدمًا في سحق الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته، أو من حيث وضع قوى في ما يسمى بالمجتمع الدولي ونعني بها الولايات المتحدة ـ الداعم الأول ـ وأوروبا المدافعتين الأبرز والمستعدتين دائمًا لنحر أي تحرك في مجلس الأمن يدين جرائم الحرب والانتهاكات الإسرائيلية.
إن هذا الوضع الراهن قد فصل رأس القضية الفلسطينية وجزأها وفرغها من مضامينها ومدلولاتها القومية العربية والإنسانية وبعدها الإسلامي، فلم تعد كما كانت قضية العرب المركزية ذات الأبعاد السياسية، وأنها القضية العادلة للشعب الفلسطيني وأنها قضية مشروع وطني تحرري يرفض الاحتلال والاستبداد والظلم وينتصر للحق ويسترد المغتصب من الحقوق، وإنما أضحت مجرد قضية من القضيا التي لا بد من إدراجها في جداول الاجتماعات العربية والاسلامية لا بد من تضمينها بيانات هذه الاجتماعات حفظا لماء الوجه، وفي بعض الاحيان وخاصة في الفترة الأخيرة لم تكن حاضرة في سياق بحث القضايا التي يشهدها الوطن العربي أو المنطقة بأسرها،
وإن حضرت تكون المناقشات خجولة والقرارات أخجل تشير إلى وضع عربي متردٍّ واهن يرفع عقيرته ضد بعضه بعضًا ويقزم أمام أعدائه وتنخرس ألسنة الناطقين في محيطه، فالقضية الفلسطينية باتت مثل أي قضية إنسانية كالصومال أو بقية الدول التي تعاني مجاعات أو نقصًا في الغذاء والدواء والماء، ولذلك ما يصرح به مجرمو الحرب الإسرائيليون بأنهم سيستخدمون القنابل العنقودية المحرمة دوليًّا ضد الشعب اللبناني في أي عدوان قادم وربما يعدون له، ومن يجادل أو يدافع عنهم بأنهم قالوا بأنهم سيحدون من استخدامها، نقول له ماذا يعني استخدام سلاح محرم دوليًّا؟ وما معنى الحد من استخدامه؟ ألا يعني أنهم سيستخدمون مئة قنبلة بدلًا من مئة وثلاث قنابل مثلًا، وفي كلتا الحالتين قد استخدموه؟ ثم أين الإدانة الدولية ضد استخدامهم هذا السلاح المحرم من قبل وتأكيدهم على استخدامه مستقبلًا؟ ألا يعني ذلك أن الطرق كلها مفروشة بالورود ومؤمنة من جميع النواحي؟