منذ بداية هدنة العيد بين الأطراف المتنازعة في سورية، كانت احتمالات انتهاكها أرجح من الالتزام بها، وبناء عليها خرج كثير من السوريين للتظاهر في مناطق مختلفة على اعتبار أن النظام سوف يلتزم بتعهده، لكن الأمن أطلق النار عليهم والطائرات والدبابات أرسلت قذائفها فسقط كثير من القتلى. واستمرت الأمور تتصاعد خلال الأيام الثلاثة الأولى لعيد الأضحى، مما أجهض الهدنة، مثلما حدث في المبادرات السابقة التي تسبب النظام السوري في فشلها برغم موافقته عليها، بما فيها مجموعات المراقبين العرب أو الدوليين إذ مارس ألاعيبه وأطلق النار على المتظاهرين ناسبا الفعل لعصابات مسلحة مدعيا تدخله لحماية مواطنيه، وكأنه يتعمد الموافقة وهو يضمر العكس.
الهدنة بالنسبة للمواطنين السوريين في الداخل لم تكن هدنة بقدر ما هي مساحة زمنية يفترض أنها آمنة، يقومون خلالها بدفن الموتى ورفع الأنقاض لانتشال الجثث وتأمين الغذاء وما يقي الناس برد الشتاء. غير أن تلك المساحة لم تكن وفق المأمول، فالنظام الذي استغل الوقت بالقتل حتى آخر لحظة قبل الهدنة وقتل حوالي 200 مواطن في اليوم الذي سبقها، واشترط عدم تحرك خصومه وإعادة انتشارهم، لم يكن قادرا على تحمل المتظاهرين الذين خرجوا للمطالبة بسقوطه، فادّعى اختراق شروطه الهلامية غير الدقيقة، ولعله أيضا نفّذ تفجير دمشق في أول أيام العيد ليقول بأن ذلك من عمل "الجماعات الإرهابية"، وهو ما سارعت موسكو بتصرف مريب للمطالبة بإدانته في مجلس الأمن الذي لم يقبل بذلك.
أحداث الأيام الثلاثة الماضية تؤكد أن الهدنة المزعومة غير موجودة وموافقة النظام عليها لا تتجاوز التلاعب المتعمد. وهذا يعني ضرورة تناسيها والتفكير بالمرحلة التي بعدها. وقد يكون أفضل ما يقوم به المجتمع الدولي أن يفرض بقرار أممي تطبيقا فعليا لهدنة طويلة يتم خلالها إيصال المعونات إلى كل المحتاجين، والعمل على إقناع بشار الأسد ومن معه أن النظام انتهى، وأن إرادة شعبه أقوى منه، فيغادر مسلما شؤون الدولة لحكومة انتقالية، ليحفظ كثيرا من أرواح أبناء الشعب. وإن لم يقبل فلا بد من البحث عاجلا في الحلول غير السياسية التي عطلتها ممارسات النظام السوري.