احتفلت السلطنة أمس بأول أيام عيد الأضحى المبارك، وقد أدى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ صلاة العيد بجامع السلطان قابوس بولاية خصب بمحافظة مسندم.
وقد استلهمت خطبة العيد التي ألقاها معالي الشيخ وزير الأوقاف والشؤون الدينية المعاني والمبادئ السامية التي تتضمنها فريضة الحج، حيث تكمن في وقفة عرفات وما يتبعها من عيد الأضحى إحدى الحكم البالغة التي أراد بها الإسلام للمسلمين أن يجتمع شملهم وتتعزز وحدتهم ويوقنوا في كل عودة للمناسبة الجليلة أن التآم لحمتهم واشتداد عروتهم الوثقى لن تكون إلا إذا ظل المعلم العام للإسلام واضحًا في مفهوم الجماعة الواحدة والبنيان المتين، والجسد الواحد وإن تعدد منه الأعضاء، لكنه تعدد الفروع المرتبطة بالأصل ارتباطًا لا يعرف الانفصام، وذلك حين أكدت الخطبة أن الدين هو حبل يصل الأرض بالسماء طرفاه التوحيد والائتلاف، وغايته فيض البركات واتساق الحياة وزكاة الأنفس، لقوله عز وجل "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا". فالخشوع إلى الله يكمن في هذا اليوم العظيم الذي جعله الله أكبر معلمًا من معالم اجتماع المسلمين في المكان الواحد وهو جبل عرفات، يهلل فيه الناس ويكبرون بلسان واحد ويلهجون بالدعاء إلى الله أن يهبهم النصرة، وأن يتقبل صالحات أعمالهم. لقد جاءت خطبة العيد أمس مفعمة بالحكم البالغة المستمدة من السيرة العطرة لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام من حيث الامتثال لأوامر الله والصبر على هذا الامتثال والقناعة الداخلية المطلقة بأن إرادة الله للبشر كلها خير عميم واغتنام لعمل صالح يعود على الفرد والجماعة المسلمة بما يرفع من شأنهم ويعزز مكانتهم في الدنيا والآخرة، فأخلاق العقيدة والتوحيد ـ كما بينت الخطبة ـ تحمل قيم المروءات في اليسر والعسر والحب والكره، وفي الحرب والسلام، وهي كلها من أخلاق العمل الصالح، وسبيلها سلامة النية والقصد والاتباع والوعي بضرورات الأمة وآمالها وطموحاتها، وأن بهذه التصورات يرتبط الإيمان بالعمل الصالح ليس في المبادئ والغايات وحسب، بل وفي السبل والوسائل والوسائط، فلا دين بلا أخلاق عمل تجاه ثلاث دوائر النفس والآخر والمجتمع، ومن هذه الخطبة نستلهم ذلك التلازم غير القابل لانفكاك عراه المتمثل في الدين والإخلاص والأخلاق، وإذا ما انفك الدين عن الإخلاص والأخلاق فإن المرء يقع في دائرة السعي الذي لا بركة فيه ولا هدى، وكذلك التشديد على أن إخلاص الفرد وحريته وإبداعه لا تضع أمامها عناية الدين والدولة حدودًا وموانع، بل إن هناك تكاملًا في ترتيب عمل المؤمن وتصرفاته وجماعة المؤمنين ومجتمعهم لينال الكل جزاء إحسانه ويحل الصلاح بالعموم والخصوص، وتثبت مصالح المؤمنين التي أمر بها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ونبه إلى خطرها قائلًا "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
إنها مناسبة جليلة ينتظرها المرء المسلم من العام للعام ليعمر قلبه بالإيمان ويستقيم على النهج القويم ويهتدي بنصائح أهل الذكر، فهكذا أمرنا كتاب الله العزيز، وهكذا علمتنا سنة نبيه الأمين حتى نزداد ثقة في أنفسنا وفي عقيدتنا وفي قيادتنا الحكيمة، وفي ذلك ما فيه من التماس للأمن والأمان واستقرار الوطن وتمهيد السبيل لكل مواطن كي يعيش آمنًا مطمئنًّا على يومه وغده ومستقبل أبنائه، فنعمة الأمن كانت المطلب الأول لنبي الله إبراهيم (رب اجعل هذا بلدًا آمنًا) ثم جاء طلب الرزق في المرتبة الثانية.. (وارزق أهله من الثمرات)، وبهذه المناسبة العطرة نتقدم إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وإلى كافة المواطنين وإلى الشعوب العربية والإسلامية بالتهاني والتبريكات وكل عام والجميع بخير وأمن وسلام.