يقف حجاج بيت الله الحرام اليوم على صعيد عرفات الطاهر وهو الركن الأعظم في الحج، بعد أن منَّ الله عليهم بقضاء يوم التروية والمبيت في منى، حيث تهفو إليهم نفوس المؤمنين في كل مكان متمنين أن يحظوا بما حظي به ضيوف الرحمن من فرصة لأداء هذه الشعيرة الواجبة.

إن الوقوف بعرفات وفريضة الحج في مجملها تتضمن من المواعظ والدلالات ما يجعل من يأخذ بها بمفازة من العذاب في الدنيا والآخرة، حيث تتطهر الأنفس على صعيد عرفة من أدران الدنيا وملذاتها، وتتجرد من الأهواء والأغلال والأحقاد، فتصفو الأنفس وتقر الأعين وتهدأ السرائر وتستكين، فموسم الحج هو موسم الفضائل بما يتضمنه من مواعظ وقيم تتجلى فيها الأحكام الإلهية لمن يأخذ بها ويطبقها في حياته اليومية إن أراد السمو الروحي والدنيوي على السواء، فالمبادئ التي يرسخها الحج وما يتضمنه من تكبير وتهليل وطاعة لأوامر الله وترك لما نهى عنه، والتنافس في الخيرات هذه الأيام العشر التي أقسم الله بها بقوله "والفجر وليالٍ عشر...

" كل ذلك مجلب للخير للإنسان في الدنيا والآخرة، والإنسان مدعو إلى استلهام هذه المناسبة الجليلة إلى إعمال العقل وتفعيل الحكمة، وترويض الجوارح على العبادة والطاعات ومبادئ الأخلاق القويمة لبناء الذات والشخصية المسلمة الحقة، ولبناء المجتمع الفاضل الذي يتفاضل فيه أبناؤه بالأخلاق والرفعة عن الدنايا من الأعمال والصفات، والمسارعة إلى بذل الجهد والمال نحو كل ما يخدم المجتمع وأفراده، فيجعله مجتمعًا متحابًّا تسوده المودة والرحمة والتعاون والتآلف، وتشيع بين أفراده أجواء الطمأنينة النفسية والسكينة والاستقرار والتدافع إلى الخير، بما يجعلهم أفرادًا إيجابيين، مستلهمين هذه المبادئ والمعاني والفضائل من ذلك الجمع لضيوف الرحمن الذين جاءوا من كل فج عميق، والذين ذابت بينهم واختفت اختلافات اللون والعرق واللغة والنسب،

وسادت بينهم الأخوة والوحدة والتعاون والتراحم والتآلف والتواد، والفضل يرجع في ذلك إلى عقيدة الإسلام الجامعة المانعة، وحين خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وتلا قول الله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"، إنما يكون قد ترك لنا رسالة تتضمن حدود المسؤولية عن الأقوال والأفعال من بعده، وأمانة عظيمة تلخصها تلك المبادئ والقيم والمعاني السامية في تلك الأماكن المقدسة، فما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى أن تتمسك بتلك المسؤولية والوفاء بالأمانة، بعد أن نعقت فيها وبينها نواعق الشر والفتنة الطائفية والمذهبية والتمزق، وأطاحت بريحها ومنعتها وقوتها، وأوصلتها إلى الحضيض، وما أحوج الأمة الإسلامية إلى أن تأخذ من مناسبة الحج العبرة والعظة وتعلن الانقياد والانصياع حين تستذكر تلك الكلمات التي أطلقها رسول الرحمة رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام حين قال: "...‏فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، ثم قال اسمعوا مني تعيشوا: ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه،‏ ‏ألا وإن كل دم ومال‏ ‏ومأثرة ‏كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة...".

إن هذه الرسالة هي التي يجب أن تنبعث إلى البشرية كلها، في ظل الانحدار الذي تعانيه الأمة الإسلامية، بحيث يكون موسم الحج إلى بيت الله الحرام تجديدًا لمبادئ الدين السمحة والأخلاق القويمة، حيث الكل وقوف سواسية لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، ولا كرامة لغني دون فقير إلا بدرجة القرب من الله والالتزام بأوامره ونواهيه، فالحج مدرسة منهجها التواضع والحذر من الاغترار بالدنيا وزينتها ومباهجها، أو الاغترار بجاه أو ملك أو قوة وبأس.