إلى متى يتهرب المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه السلام؟ وإلى متى سيستمر الصمت والهوان العربيان؟ وإلى متى سيبقى الوضع العربي مرتميًا في أحضان أعداء المنطقة من ذوي المشاريع الهدامة والمدمرة؟
كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها الوضع العربي الواهن، والتمادي الإسرائيلي في العدوان على الشعب الفلسطيني، والدور المريب الذي تمارسه ما يسمى قوى المجتمع الدولي الحليفة للكيان الصهيوني الذي لم يتورع عن أي شيء في سبيل إلحاق الأذى والظلم والعدوان ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وفي سبيل مساعيه نحو تصفية القضية الفلسطينية برمتها والتخلص من أعباء ضخمة ظل يراكمها منذ اغتصاب الصهاينة أرض فلسطين وإلى اليوم، متسلحًا في المضي في عدوانه بالدعم غير المحدود الذي توفره له القوى الممانعة سياساتها لإنصاف الشعوب المظلومة تجاه قضاياها العادلة، والمُتاجِرَةُ بحقوق الإنسان وبمسميات لها مبادئها التي يجب أن تحترم كالديمقراطية والحرية وحماية المدنيين بالإضافة طبعًا إلى حقوق الإنسان.
كان المحتلون الإسرائيليون قبل تفجر فوضى ما يسمى "الربيع العربي" يشهرون في وجه من يطالبهم بالعودة إلى طاولة المفاوضات ـ رغم شكلية هذه المفاوضات ـ ما لا حصر له من الأكاذيب والمراوغات لتبرير تملصهم من المفاوضات حتى ولو كانت شكلية وذات حمل كاذب، حيث كان الانقسام الفلسطيني أحد أبرز الرماح لنحر أي محاولة لجمع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على طاولة المفاوضات، فقد كانت أسطوانة "عدم وجود الشريك الفلسطيني" المشروخة، كثيرًا ما يرددها المسؤولون الإسرائيليون والإعلام الصهيوني والموالي والتابع له، وحين تضيق عليهم دائرة الضغط بضرورة استئناف المفاوضات يلجأون إلى خلط الأوراق والتشويش بالهروب إلى الأمام من خلال شن عدوان غاشم وعمليات اغتيال ممنهجة بحق الفلسطينيين العزل، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وحين يشعر المحتل الإسرائيلي بأن دائرة الضغط بدأت تضيق أكثر وأكثر يخرج على الجانب الفلسطيني بشروطه التعجيزية ولاءاته المستهجنة للقبول باستئناف المفاوضات.
أما اليوم فليس المحتلون الإسرائيليون بحاجة إلى اللجوء إلى مثل هذه الأكاذيب والمراوغات، فهذا أمر بات ملاحظًا بصورة لا تقبل اللبس، وما نراه الآن استمرار العدوان على الشعب الفلسطيني في اتجاهين متوازيين: الأول يقوم على سرقة الأرض وتهويدها حيث أوشك تهويد مدينة القدس المحتلة بجزءيها الغربي والشرقي على الانتهاء، يترافق معه تهجير الفلسطينيين المقدسيين تحت ذرائع كاذبة وواهية، والاتجاه الثاني يقوم على العدوان على المدنيين الفلسطينيين العزل، بذريعة التصدي لمحاولات الاستعدادات العسكرية للفلسطينيين ـ حسب زعم نتنياهو، فقد أضحى مسلسل العدوان على الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة يوميًّا وأمرًا روتينيًّا، سواء بالنسبة للاحتلال أو بالنسبة لما يسمى بقوى المجتمع الدولي التي تتشدق بحماية حقوق الإنسان.
ولم يتوقف المحتلون الإسرائيليون عند هذا الحد في استغلال الفوضى المقصودة في الوطن العربي، بل إنهم وبمعاونة حلفائهم الغربيين وبكل صفاقة أجهضوا المساعي الفلسطينية والعربية للاعتراف بعضوية فلسطين في الأمم المتحدة، ويستعدون الآن لتكرار عملية الإجهاض ذاتها، يترافق معها هذه المرة إجهاض المسعى الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتزاع الاعتراف بأن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي هم أسرى حرب طبقًا للقانون الدولي، والذين ينتهك المحتل الإسرائيلي حقوقهم ويمارس بحقهم ممارسات غير أخلاقية ومنافية للمعاهدات الدولية الخاصة بأسرى الحرب.
إن ما يفهم من ذلك كله أمر واحد وهو أن الكيان الصهيوني لا يريد السلام، بل يخاف منه على وجوده، يسانده في ذلك حلفاؤه الذين يتبنون هواجسه المزعومة، ويقوون تمرده وتنمره للسلام والاستقرار وحقوق الإنسان.