بعد أن جال في أكثر من بلد عربي وإقليمي ذي صلة بالأزمة السورية، وصل الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة إلى دمشق أمس، حيث سيجري مباحثات مع المسؤولين السوريين، وكذلك مع المعارضة السورية وقوى المجتمع المدني، لوضع مبادرته لوقف إطلاق النار خلال أيام عيد الأضحى المبارك.
لقد كثر الحديث عن هدنة المبعوث الأممي وعدد المؤيدين لها، لعل هذه الهدنة أن تصمد لتقود إلى هدنة طويلة الأمد تسمح فيما بعد لبلورة الأفكار المفضية إلى الحلول الممكنة، بإجراء حوار وطني شامل يقوم على أساس الشراكة الوطنية، وأهمية الحفاظ على وحدة سوريا ووحدة مجتمعها من التمزق، ووقف نزيف دماء الشعب السوري، وقد رحبت الحكومة السورية بمبادرة الإبراهيمي إذا ما قبلها الطرف الآخر والتزم بها التزامًا تامًّا.
غير أن في الأفق لا يبدو مايطمئن لأن تصمد هذه الهدنة إذا ما نجح الإبراهيمي في مسعاه لحقن الدماء السورية خلال أيام عيد الأضحى، وذلك لاعتبارات كثيرة منها أن المعارضة السورية المسلحة، جانب كبير منهاـ مالم يكن كلها ـ قد أصبح لا يملك قراره، فالمجموعات التي تمثل المعارضة المسلحة تحديدًا هي رهينة إما للاستخبارات الأميركية أو البريطانية أو الفرنسية أو التركية أو استخبارات دول عربية، وحتى لو تحررت من ولائها وتبعيتها لتلك الاستخبارات (طبعًا وهذا مستحيل)، فإنها لا يمكنها أن تتخلص من تبعية تنظيم القاعدة وبقية المجموعات التكفيرية والظلامية والمرتزقة التي دخلت إلى سوريا لتحقيق هدفين مزدوجين الأول لمساعدة المعارضة المسلحة فيما تعلنه عن رغبتها في إسقاط الحكومة السورية، والثاني الاتخاذ من الأرض السورية أوكارًا لها، فهذه المجموعات ستكون في المستقبل القريب عبئًا كبيرًا على المعارضين السوريين المسلحين الذين طلبوا من هذه المجموعات الإرهابية والتكفيرية مساعدتهم، فكل معارض سوري مسلح اتخذ من لغة القتل وترويع الآمنين وسيلة له في تحقيق مطالبه، وانتبه إلى خطئه الكبير وجرمه العظيم وثاب إلى رشده، سيكون هدفًا مشروعًا لهذه المجموعات للتخلص منه. يضاف إلى ما سبق أن الحكومة السورية تملك قرارها وفي أي لحظة بإمكانها وقف مطاردة المجموعات المسلحة الإرهابية، لكن من الذي يضمن هذه المجموعات الإرهابية والمرتزقة والتكفيرية لأجل وقف عنفها، وسفكها دماء الأبرياء السوريين؟ فهي مجموعات منفلتة متشرذمة، وهل هناك ضمانات من قبل الدول التي تدعمها بالمال والسلاح لأن تتوقف هذه المجموعات عن مواصلة العنف والقتل؟
إن أغلب المؤشرات والدلالات تشير إلى أن الاستخبارات الغربية، التي تغذي العنف وقتل الأبرياء السوريين بدعمها المجموعات المسلحة المختلفة، قد حزمت الأمر بدافع من دولها لتفتيت سوريا وجعلها دولة فاشلة وإلحاقها بشقيقاتها من الدول العربية التي حولتها الاستخبارات الغربية إلى دول فاشلة، الحاكمية فيها للسلاح وللطائفية المقيتة والمذهبية البغيضة، وذلك خدمة للكيان الصهيوني الغاصب الذي يتربع على عرش أهداف الدول الغربية المتدخلة في الشأن العربي الداخلي وخاصة السوري وتغذية العنف والنزعات الطائفية والمذهبية. ولذلك من الوارد أن تكون هدنة الإبراهيمي إذا نجحت لالتقاط الأنفاس وإعادة تجميع صفوف هذه المجموعات وزيادة فاعليتها بتدريبها وتسليحها بأسلحة متطورة وأكثر فتكًا وإمدادها بالمال اللازم لإجبارها على الاستمرار في القتل، فضلًا عن تهريب الكميات الكبيرة من الأسلحة وفي مقدمتها المضادات الجوية وصواريخ أرض ـ جو المحمولة على الكتف وغيرها، لذا ما على الأخضر الإبراهيمي إذا ما أراد النجاح في مبادرته سوى إلزام الأطراف الداعمة بالمال والسلاح للمجموعات المسلحة والحصول على ضمانات منها بالتخلي عن دعمها وتسميتها بالاسم، إذا كان فعلًا يريد النجاح لمسعاه في حقن دماء الأبرياء السوريين.