في خطوة غير مفاجئة وليست الأولى ولن تكون الأخيرة، أعلن الكيان الإسرائيلي الغاصب عن سرقة جديدة للأرض الفلسطينية ليقيم عليها 800 وحدة سكنية استيطانية في مستوطنة جيلو في القدس الشرقية المحتلة، وذلك ضمن المسلسل الإسرائيلي الاحتلالي القاضي باغتصاب الأرض الفلسطينية وتهويد القدس وتمزيق ما ترابط منها، وتغيير جغرافيتها وديمغرافيتها، منعًا لأي فرصة لحل سئمت آذان الجميع من سماعه، وضعف بصر الجميع من كثرة قراءته على الصحف وأشرطة الأخبار للفضائيات، ألا وهو حل الدولتين العتيد الذي أطلقته مخيلة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونقول مخيلته ولا نقول عقله، لأن الأخير يعني التعقل والتبصر والاقتناع ومن ثم المباشرة في التنفيذ الفعلي، وتوفير كافة الشروط والظروف نحو تحقيق ذلك، واستخدام الوسائل الكفيلة بإجبار من يعترض على الحل.
الأخطر في السرقة الجديدة للأرض الفلسطينية ـ كما بينه صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ـ ليس تدمير حل الدولتين فحسب، وإنما أيضًا قرار ما يسمى بلجنة ليفي الذي يهدف إلى ضم 12% من الأراضي غرب الجدار (الذي يبنيه الاحتلال في الضفة الغربية) إلى الكيان المحتل، إضافة إلى ضم القدس عام 1967 وأكثر من 28 من مساحة الأغوار، وأن قرار لجنة ليفي الذي يعتبر الاستيطان شرعيًّا، وأن اتفاقية جنيف الرابعة لا تنطبق على الأراضي الفلسطينية، وأن الأقصى تحت السيادة الإسرائيلية، كلها قرارات هدفها ترسيخ الاحتلال والاستيطان، حيث سيتم ضم أكثر من 50% من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.
إن هذا الاغتصاب الإسرائيلي الجديد للحق الفلسطيني هو نتيجة طبيعية بالنظر إلى الظروف المواتية، سواء كانت على الصعيد العربي بوجه عام أو على الصعيد الفلسطيني بوجه خاص، فالعرب حاليًّا منكبون من أجل إقناع الأميركي وحليفه الأوروبي للتحرك نحو إسقاط بعضهم بعضًا والذي سيصب في النهاية في خدمة المشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة. أما الفلسطينيون فوضعهم ليس بأحسن حال من أشقائهم، فانقسامهم تحول إلى فعل أخطر من الاحتلال الإسرائيلي نفسه الذي بوحدتهم كانت لديهم القدرة على التعامل معه وجلب التأييد الدولي لهم، وتسليط الأضواء على معاناتهم وجر التعاطف معهم، ولو أجريت إحصاءات قبل الانقسام وبعده لتبين الناتج الكبير في معادلة الصراع مع الاحتلال ومقاومته، ولازدادت وضوحًا أهداف تمزيق الاحتلال الإسرائيلي وحدة الصف الفلسطيني، وتحركه العسكري والدبلوماسي والسياسي والاقتصادي لإفشال أي خطوة هدفها إنهاء الانقسام.
صحيح أننا نحمِّل قوى المجتمع الدولي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الداعم الأول والأكبر للاحتلال الإسرائيلي مسؤولية التدهور الحاصل في ما يسمى بعملية السلام، ومسؤولية الاغتصاب المستمر لحقوق الشعب الفلسطيني من قبل الاحتلال، إلا أن الفلسطينيين أنفسهم لا يمكن إعفاؤهم من المسؤولية ذاتها، بل إنهم يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية عن ما يحدث من قضم للأرض ومصادرة للحقوق وتهجير وتشريد واقتلاع للشجر، بمعنى آخر أن العرب قد جعلوا القضية الفلسطينية في ذيل قائمة اهتماماتهم، وأداروا ظهرهم لها وارتموا في أحضان ذوي المشاريع الهدامة في المنطقة، وأن الفلسطينيين قد فتحوا الأبواب على مصراعيها لسرطان الاستيطان والاغتيال والتشريد والحصار بانقسامهم، فالانتخابات البلدية التي ستجرى غدًا السبت ـ على سبيل المثال ـ ستقام في الضفة الغربية دون قطاع غزة، حيث قاطعتها حركة حماس، تعطي مثالًا على عمق الانقسام وتقديم المبررات وتهيئة الظروف المواتية لاستمرار اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني. فإلى متى يا ترى سيظل التراجع العربي والفلسطيني الخادم لمشاريع الأعداء؟ ومتى سينتبهون أن ما يفعلونه الآن هو تدمير لكل المكتسبات، وزيادة في النكبات؟