الدعوة التي وجهتها نقابة العاملين في الوظيفة العمومية لاضراب شامل اليوم وغدا والثلاثاء والاربعاء من الاسبوع القادم احتجاجا على الاوضاع الاقتصادية المتدهورة للعاملين في الوظيفة العمومية تزامن مع الجدال المتصاعد الذي سببه قرار الحكومة اعتماد حد ادنى للاجور بقيمة 1450 شيكلا يقل عن الحد الادنى للفقر كما حدده مكتب الاحصاء المركزي.
ومما فاقم الازمة تأخر صرف رواتب شهر ايلول الماضي ثم قرار الحكومة امس، بصرف نصف الرواتب علما ان الرواتب كاملة لا تكفي لا للتأخير الحاصل ولا لمتطلبات الحد الادنى لعيد الاضحى المبارك.
ومن الواضح ان هذه التطورات التي تعكس عمق الازمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها المواطن الفلسطيني تضاف الى الأزمة او المعضلة السياسية المتمثلة في استمرار اسرائيل بتنفيذ مخططاتها الاستيطانية وتوسيع الاستيطان والمصادرات وحملات الاغتيال وفرض مزيد من المعاناة على المواطنين عدا عن تهويد القدس وحصار غزة دون ان يلحظ المواطن الفلسطيني اي رد حقيقي على مثل هذه السياسة الاسرائيلية بل انه يرى عجزا واضحا فلسطينيا وعربيا واسلاميا في الرد على التحديات الاسرائيلية.
ومن الجهة الاخرى فانه مما لا شك فيه ان هناك محاولة اسرائيلية - غربية لممارسة المزيد من الضغوط الاقتصادية على القيادة الفلسطينية والسلطة الوطنية لتركيعها سياسيا وهو ما يجب الالتفات له جيدا، فجذور الازمة الراهنة وتداعياتها سببها الرئيس الاحتلال الاسرائيلي من جهة والنفاق الغربي والمواقف العربية - الاسلامية التي لم ترق الى مستوى التحديات المائلة.
واذا كان هناك جدال في الساحة الفلسطينية اليوم حول الجهة الرئيسية التي يجب ان توجه اليها الاحتجاجات الشعبية والنقابية: هل هي الاحتلال الاسرائيلي ام السلطة الوطنية وفان مما لا شك فيه ان حصر هذا الجدال على هذا النحو يفتقد للواقعية تماما كما يفتقد للبوصلة الصحيحة.
ان ما يجب ان يقال هنا ان السلطة الوطنية مطالبة اليوم باجابات واضحة للمواطن حول العجز في تحقيق انجازات سياسية تقرب انهاء الاحتلال واقامة الدولة المستقلة واجابات واضحة حول العجز في توفير الامن للمواطن الذي يتعرض لأبشع الاعتداءات من قبل المستوطنين، وكذلك حول العجز في توفير حياة كريمة ومستوى اقتصادي معقول للمواطن الفلسطيني بعد ان ثبت فشل السياسة السابقة في تحقيق انجازات واضحة على كل تلك الاصعدة.
وبالمقابل فان الاحتلال الاسرائيلي هو المسؤول الاول عن استمرار تعطيل قرارات الشرعية الدولية وحرمان الشعب الفلسطيني في حقوقه الوطنية وعن التبعية الاقتصادية لاسرائيل وعن التدهور الاقتصادي في الاراضي الفلسطينية وعن معاناة المواطنين جراء القيود المفروضة على حرية الحركة والتنقل او جراء الحواجز العسكرية المذلة او حمللات الدهم والاعتقال.
واذا كان لدينا سياسة فلسطينية ثبت عدم جدواها في مواجهة السياسات الاسراذيلية او على الاقل عدم تحقيقها انجازات واضحة وجوهرية سياسيا واقتصاديا وامنيا فان من المنطق ان يوجه المواطن انتقاداته لمثل هذه السياسة وان يوجه احتجاجاته لهذا العجز الاقتصادي - السياسي - الامني.
الا ان هذا المواطن الواعي لا يمكن ان ينسى يوما ان التحدي الرئيس الماثل امامه هو الاحتلال وهو ما تؤكده الاحتجاجات الشعبية ضد الجدار وضد انتهاك المقدسات وضد المصادرات وضد اعتداءات المستوطنين.
وفي المحصلة فقد حان الوقت لاعادة النظر في الكثير من السياسات الاقتصادية - السياسية - الامنية فلسطينيا بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن من جهة وتكثيف الجهود سلطة وفصائل ومنظمة تحرير لاستعادة الوحدة وتبني استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات الاسرائيلية الخطيرة وتوجيه كل الطاقات نحو انجاز هدف انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية بدل استمرار العيش وسط مهزلة الانقسام ومأساته وبدل الغرق في صراعات داخلية جراء تفاقم الوضع الاقتصادي - السياسي - الامني.