إن شبكة الطرق في بلادنا تعد من المكتسبات البارزة، والعلامات الدالة على نجاح مسيرة التحديث والنهوض بالبلاد عبر السنوات الاثنتين والأربعين الماضية من عمر نهضتنا المباركة.
وإذا كان هذا الإنجاز الكبير قد جرَّ منافع عديدة ومتنوعة وحقق مصالح كبيرة لمختلف القطاعات، وساهم في تزايد حركة المرور وأغرى بعض شبابنا بزيادة السرعات على الطرقات، فإن هذه الطرق هي نعمة تستوجب شكرها، وشكرها ليس بالإساءة في استخدامها وقتل الأنفس وهلاك النسل والحرث، وإلحاق الكوارث والمصائب، وسوق الأحزان واليتم والثكل إلى البيوت، وإرهاق خزينة الدولة بتكاليف كثيرة كان يجب أن تذهب إلى توفير سبل الراحة والتنمية للمصابين جراء الحوادث نتيجة الاستخفاف والتمرد على الأنظمة والإرشادات والقوانين المرورية، وإنما شكر هذه النعمة يكون بحسن الاستخدام والانتباه، والحرص على عدم إيذاء الآخرين أو التسبب في هلاكهم، والتقيد بالأنظمة والقوانين المرعية، وإظهار الوجه الحضاري للبلاد وإضافة مزيد من الجمال على شبكات الطرق بحسن الاستخدام والانضباط والالتزام والتقيد بالسرعة، وعدم التجاوز الخاطئ.
غير أن مما يؤسف له أن يتم تشويه الصورة الحضارية لبلادنا عبر واجهتها المتمثلة في شبكة الطرق ذات المواصفات العالمية، وتحويلها إلى ساحة لحرب استنزاف لطاقات هذا الوطن وحرمانه من زهرة شبابه وإمكاناتهم ومواهبهم وابتكاراتهم، ومما يؤسف له أيضًا أن يتم تحويل السيارة الأداة العصرية والمريحة والموفرة للوقت والجهد بما وصلت إليه من صناعة متطورة عما كانت تمثله وسائل النقل التقليدية المتمثلة في الدواب من إهدار الكثير من الوقت والجهد من أجل الوصول إلى المبتغى.
وإزاء حرب الاستنزاف هذه استنفرت حكومة السلطنة كامل طاقتها من أجل إيقاف هذه الحرب المجنونة التي تزداد استعارًا كل يوم، وذلك من منطلق حرصها على شباب هذا الوطن الذين ترى فيهم الحاضر والمستقبل والذين سيحملون على أكتافهم مسؤولية بناء وطنهم وأمانة الحفاظ عليه وعلى تقدمه وتطوره، وقد بذلت شرطة عمان السلطانية ـ ولا تزال ـ جهودًا خلاقة للتبصير بعواقب التهور على الطرقات والرعونة والاستخفاف والاستهانة في استخدام السيارات من حيث معدلات السرعة المقررة واحترام اللوائح المرورية.
وتأتي إقامة معرض السلامة المرورية تحت شعار "السلامة المرورية مسؤولية الجميع" الذي أفتتح أمس، واحدًا من بين الجهود المبذولة حول السلامة المرورية لتوعية المجتمع، وللتأكيد على أهمية العمل معًا باتجاه خلق بيئة خالية من الحوادث المرورية في السلطنة.
كما يهدف إلى إبراز ما تبذله الجهات المعنية للحد من الحوادث المرورية وكيفية الوقاية منها، والذي نظمته شرطة عمان السلطانية بمناسبة احتفال السلطنة بيوم السلامة المرورية الذي يصادف الثامن عشر من أكتوبر من كل عام إحياءً لتوجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم القائد الأعلى ـ حفظه الله ورعاه ـ في الكلمة التي ألقاها في سيح المكارم بولاية صحار في الثامن عشر من أكتوبر عام 2009م، والتي تناولت ما يحدث على طرقنا من مآسٍ مؤلمة.
فكم هو مؤلم ومخيف حين نعلم أن 863 حالة وفاة من بداية يناير وحتى نهاية سبتمبر من هذا العام 2012م، وهذا يعني أن هناك نفرًا من بين ظهرانينا تتحول هذه المعالم الحضارية في حياته من نعمة إلى نقمة، وهو ما يدعونا إلى إظهار التكاتف مع الجهات المعنية وأن نوصي بعضنا بعضًا بأهمية التقيد بالأنظمة والقوانين المرورية وتعظيم نعمة الطرق وإعطائها حقها وشكر حق الشكر وحفظ حياتنا وحياة سوانا من أبناء هذا الوطن والمقيمين فيه.. حفظ الله الجميع من هذه الحرب المجنونة التي تزهق الأرواح وتهلك وتشل الأبدان بدون سلاح إلا سلاح التهور أو اللامبالاة وعدم الالتزام بالقوانين، أو نتيجة الوقوع تحت المؤثرات التي تذهب بالعقل وتزيغ البصر.