تشبه المؤسسات كائنات حية، فهي تتأثر بالبيئة المحيطة وتؤثر فيها، كما تتشكل خواصها من خلال مقومات الداخل والخارج ومدى التفاعل بين كافة الخلايا التي تشكل ذلك الكائن، فالمؤسسات تولد وتنمو وتصنع هويتها من خلال محصلة القيم والإدراكات التي تتحكم بها، ومن خلال ذلك يمكن الدخول إلى كمّ من المفاهيم، التي يمكن تلخيصها فيما يعرف بالتخطيط والإدارة، التي تعبر عن منهاج للخلوص إلى النتائج الأفضل في عالم بات يعتمد على الرؤى الاستراتيجية ويتفاعل مع المتغيرات بناء على إيقاع سريع ومتجدد، بحيث يمكن القول إنه من الصعب القبض على الأشياء في ثبات أو سكون، حيث باتت الدينامكية هي الطابع المحرك لتفاعلات الحياة والإنسانية والمؤسسات والدول وغيرها من المنظومات التي هي في خلاصة الأمر يحركها الذهن البشري.
من هذا المنظور المبدئي تأتي الأهمية التي يقوم عليها "مؤتمر تخطيط النمو الاستراتيجي وإدارة التغيير" الذي تنظمه مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان، والذي انطلقت فعالياته أمس في ظل رغبة طامحة في إعادة التفكير والنظر في جملة من المكتسبات المعرفية في علم الإدارة وفن التغيير، وكيفية مواكبة روح العصر بناء على وعي الذات، الذي يعني وعي المؤسسية، ووعي الأنظمة المختلفة التي تتحكم في إبداع وسائل الابتكار وتوليد الطاقات الخلاقة وحفز المجتمعات نحو النماء والإنتاج بناء على مناظير لها طابع الجدة والأصالة في الوقت نفسه، تنتقل بالأهداف إلى فرص جديدة ومبتكرة.
إن الدور الذي تقوم به مؤسسة إعلامية يتجاوز الأدوار التقليدية في النظر إلى طبيعة العمل الإعلامي ومدى فاعليته وتفاعله مع البنى الاجتماعية والحياة المعاصرة، ومن هذا المنظور فإن اضطلاع مؤسسة عمان بمثل هذه المبادرة تعبر عن هذا الروح التكاملية في إعادة قراءة ماهية المهام التي يضطلع بها الإعلام؛ ما يفتح الأفق لميلاد ثقافة جديدة في هذا المجال تمزج بين روح الإعلام التقليدي والانفتاح نحو قضايا المجتمعات وفق قراءات أكثر حداثة بمراعاة ما ينشغل ويتحرك به عالم اليوم من حراك في كافة المناحي الإنسانية.
إن التفكير السديد في المستقبل وكيفية ابتكاره وإعادة إنتاجه وفق روح مثابرة ومتسلحة بالمناهج الجديدة، يتطلب إعادة تشكيل للذهن بما يجعله أكثر قدرة على الرؤية وإيجاد الحلول الابتكارية والمضي في الأهداف والتوقعات بما يرسم فاعلية للمواجهة ومجابهة التحديات ونقلها من حيز التحدي إلى فضاء الفرص، وهي مسائل يكون النقاش فيها والتفاكر حولها أبجدية من أبجديات النظرة الاستراتيجية والإدارة الفاعلة للمستقبل وصناعة القرارات السديدة.
وفي كل هذه العمليات يظل الإنسان / المورد البشري هو المركز أو المحور الذي عبره وبه؛ تنهض المعطيات الإيجابية في إدارة الواقع واستشراف الغد بكافة الاتجاهات والرؤى، بما يعطي القدرة على التغيير والتحول النوعي والنظرة الكلية للأشياء بما يمكن من ابتكار مفردات وجمل حداثية للنمو وطريقة رؤيتنا للكثير مما يدور في أروقة حياتنا ومؤسساتنا، بل ذواتنا من طموحات وآمال في أن نكون أفضل دائما بتوظيف ما نملك من علم ومهارات وقدرات وإرادة وصبر