ارتكزت سياسة السلطنة على الدوام ومنذ فجر نهضتها المباركة على أسس ثابتة وقوية تقوم على بناء أركان السلام والتنمية ودعائم الأمن والاستقرار، ليس على الصعيد الداخلي المحلي فحسب، وإنما على الصعيد الخارجي العالمي أيضًا، ما يعكس الالتزام الوثيق بتبني القضايا الحيوية لإرساء دعائم السلم والاستقرار في منطقتنا والعالم أجمع، انطلاقًا من رؤية واضحة وسليمة ومنطقية أنه ليس ثمة دولة تستطيع أن تكتب لنفسها دورة حياة طبيعية وتنمية مستمرة بمعزل عن التأثر والتأثير بالمحيط الذي يحيط بها، وكما من المسلمات حاجة الدول إلى تعاون بعضها بعضًا في جميع المجالات فهذه هي سنة الحياة.

 ومن هنا جاءت النظرة الشمولية المتكاملة في منهاج السياسة العمانية ـ كما أراد لها مؤسس نهضة عمان الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ذلك أن تحقيق السلم والأمن الدوليين وتحقيق التنمية المستدامة وإشاعة أجواء الرخاء والاستقرار لشعوب العالم قاطبة يحتاج إلى تكاتف هذه الدول أنظمةً وشعوبًا في إطار منظومة عمل جامعة وميثاق موحَّد، لا يميز بين أحد وآخر، وأي محاولة خروج عن هذا الإطار التكاملي مؤداه اهتزاز رقعة الاستقرار والسلم والأمن في هذا العالم، ما سيحرم الشعوب المكتوية بنار المارقين عن الإجماع والتعاون الدولي من الهناء بالاستقرار والحياة الآمنة المطمئنة والعيش الكريم. ولذلك فإن السلطنة حرصت على أن تنتهز كل فرصة سانحة لتكريس هذا المفهوم للتعايش السلمي بين البشر، واهتمت بدعم وتأييد التحركات الدولية الرامية إلى إخلاء العالم من أسلحة الدمار الشامل، والمساهمة في تجنيب الشعوب الحروب والدمار والخراب.

وليس خافيًا أن منطقتنا تعاني اليوم من صداع مزمن وهاجس مؤرق يقض مضاجع شعوبها بسبب وجود ترسانة ضخمة من أسلحة الدمار الشامل بحوزة الكيان الإسرائيلي الغاصب الذي لن يتورع عن استخدامها ضد شعوب المنطقة لفرض هيمنته على المنطقة، بل إنه لمح في أكثر من معرض إلى إمكانية استخدامها، وللأسف هناك من يشجع هذا الكيان المسخ على المروق من دائرة الشرعية الدولية، ويجعله فوق القانون.

وقد جاء بيان السلطنة أمام اللجنة الأولى للمناقشة العامة بشأن نزع السلاح والأمن الدولي خلال الدورة السابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الأول مؤكدًا موقف السلطنة من ضرورة إخلاء العالم بصورة عامة ومنطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، ومتواكبًا مع التوجهات العربية والدولية نحو ذلك، مع التأكيد على حق الشعوب في الاستفادة من الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفقًا لما جاء في أحكام معاهدة حظر الانتشار النووي وبموجب الضمانات التي توفرها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معبرة في الوقت ذاته عن أملها في أن يتوصل المؤتمر المزمع عقده في نهاية هذا العام 2012م في هيلسنكي عاصمة فنلندا إلى إعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل الأخرى، على أن يؤخذ في الاعتبار حق الدول المشروع في استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وفقًا للمعاهدات ذات العلاقة في هذا الشأن. كما ذكَّرت السلطنة العالم بوجود خلل في نظام منع الانتشار النووي رغم مُضي أكثر من 40 عامًا على التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT ) ، حيث لا تزال دول وكيانات وفي مقدمتها الكيان الإسرائيلي المحتل تصر على عدم الانصياع للإرادة الدولية والتوقيع على المعاهدة، ما يستوجب تضافر الجهود لحث الرافضين على التوقيع دون إبطاء تحقيقًا للمصلحة العامة.

إن العالم بحاجة إلى المصداقية وذلك بقيام القوى الكبرى الداعمة للكيان الإسرائيلي الغاصب بالضغط عليه للتوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي وإخضاع منشآته النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فمخاطر هذه المخزونات المدمرة وما يرافقها من إشعاعات ضارة واحتمالات وقوع حوادث نووية، لا تتوقف عند حدود الدولة التي يقع فيها الحادث، وثمة تجارب سابقة أثبتت مدى خطورة السكوت حتى يقع الحادث بالفعل.

إن صوت السلطنة من المؤكد أنه ضمن الأصوات الساعية إلى تجنيب العالم مخاطر أسلحة الدمار الشامل وانبعاثاتها، فهي أصوات العقل والمنطق التي يجب أن يسمع لها.