وضعت التوجيهات السامية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - في اجتماع مجلس الوزراء الأحد الماضي، محددات جلية للعمل الوطني في المرحلة الراهنة والمقبلة، برز مركزها في مسألة الاهتمام بالتنمية البشرية، وهي القضية المحورية دائما وأبدا في سياق النهضة العمانية منذ بزوغ فجرها المبارك. فالإنسان ظل دائما رأس الرمح للتطوير والتحديث وابتكار المستقبل وتنميته.

إن قضية التنمية البشرية تعتبر من القضايا المتجددة والتي تحددها أمور كثيرة أبرزها التعليم الذي هو الجوهر والأساس في عملية التحديث ونقل الأمم والشعوب من حيز إلى آخر، بناء على المتغيرات والمستجدات على صعيد الحياة الإنسانية وبمراعاة ما يزخر به العالم من قيم جديدة ومعان متولدة عن الحراك الكوني الذي لا يهدأ.

 وإذا كان التعليم هو المرتكز فإن النظر إليه بروح عصرية وثابة ومتقدة، مع الاستفادة من المعطيات الجديدة، تظل من الأولويات، وهنا يشار إلى أن السلطنة تمضي الآن في مراجعات في هذا الجانب وفق التوجيه السامي بإعادة النظر في منظومة التعليم بشكل عام ومدى ملاءمتها للمهارات المطلوبة والتخصصات في سوق العمل بشكل خاص.

كذلك ينظر إلى ما يتعلق بالتعليم من أفكار ورؤى تصب في مسألة القيم والموازنة بين التراث والحداثة، وكيفية بناء أجيال لها القدرة على التعايش مع المتغيرات دون الخصم من رصيد التقاليد السمحة للأمة. بناء على هذه المعطيات فالتنمية البشرية كمفهوم وكتطبيق تعتبر أولوية متجددة مع العصر وروحه ومتطلباته، ومع الأبعاد الإنسانية العامة التي تزخر بها الحياة يوما بعد يوم.

ولعل الحديث عن التنمية البشرية يسوق قضايا كثيرة ومتشعبة منها ما يتعلق بالفرد نفسه ومنها ما يتعلق بالمجموع متمثلا في المجتمع ككل، ومنها ما يختص ببيئة العمل أو المؤسسات، هذه الدوائر المختلفة تتطلب إعادة التفكير فيها وفق ما يستجد مع الوضع في الاعتبار النظر إلى الأمور وفق "عين ثالثة" ترى الأشياء بما يجعلها تكتسب طاقة فاعلة جديدة لها القدرة على الاستمرار ومجابهة التحديات التي لا نهاية لها.

فالحياة الإنسانية في مجملها نهر من المصاعب والمشقات التي تواجه المرء والأمم ويكون على الكائن أن يقف متسلحا بالقيم والإرادة وغيرها من الأسلحة بما يمكنه من أن يعبر إلى محطة ثانية فثالثة وهكذا.. إلى أن يصل إلى مطافات أوسع وأرحب في تحقيق الآمال والاستجابة للتطلعات.

وبحمدالله فإن السلطنة وعبر أكثر من أربعة عقود وبفضل الرؤى الثاقبة لصاحب الجلالة السلطان المعظم - أبقاه الله- فقد تشكل لها إرث متسع وممتد من القيم والمفاهيم التي تصب في إطار المعاني المتعلقة بالإنسان وتنميته والحرص على تدريبه وتزويده بكل ما ينفعه في حياته وعمله ويجعله متوازنا بشكل عام.

هذا الإرث الذي يشكل قاعدة صلبة يتم الاستناد عليه من قبل الأجيال الصاعدة، عبر منظومات التوعية والتربية والتعليم والإعلام وجهود المجتمع المدني، وكل له مسؤوليته التي يجب أن يضطلع بها في هذا الإطار