مرة أخرى يقدم شاب من غزة في مقتبل العمر والحياة على إحراق نفسه احتجاجا ، كما يبدو، على الأوضاع المعيشية المتناهية القسوة والظروف الاقتصادية العامة القاتلة، سواء أكان الأمر في القطاع أو في الضفة الغربية كذلك، لأن الظروف متشابهة والمعاناة واحدة. غزة تعاني من الحصار المباشر والضفة تعاني من الحصار ولو غير المباشر في بعض الاشكال والمظاهر، فالاحتلال يضيق الخناق على جناحي الوطن، وتتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية من المانحين والدول صاحبة القرار، وينشغل العالم العربي بهمومه وقضاياه الداخلية او اهتماماته الخاصة، ولسنا واحدا منها كما يبدو .
ان الحصول على لقمة العيش صار امرا صعبا لدى غالبية ابناء شعبنا، وتوفير أبسط متطلبات الحياة صار أمنية بعيدة المنال، وضمان الوظيفة صار حلما وان تحقق وتوفرت الوظيفة فإن الراتب ليس مضمونا... وهكذا نظل ندور في حلقة مفرغة من الأوضاع المعيشية والسياسية المدمرة وفي وقت تبدو فيه الآفاق مغلقة واحتمالات الانفراج بعيدة.
لقد اشتعلت التظاهرات في الضفة ضد الغلاء وارتفاع الأسعار ثم هدأت قليلا، الا ان الأزمة تظل باقية وبقوة كالنار تحت الرماد وتتطلب حلولا وقرارات ذاتية لتدعيم قدرة الناس على الصمود في وجه التحديات السياسية المصيرية التي تواجه شعبنا وارضنا ومستقبلنا، وليس مجرد انتظار دور الآخرين وإلقاء اللوم والمسؤولية عليهم، لان هؤلاء الآخرين مشغولون بهمومهم واهتماماتهم الداخلية ويستجيبون للقوى المؤثرة فيهم وليس الذين يستجدون منهم المنح والمساعدات، كما ان امتنا العربية مشغولة بالقضايا الداخلية والمصالح الخاصة لدولها ولا نبدو موجودون على سلم أولوياتها.
ان الشاب الثاني الذي أقدم على إحراق نفسه احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية في غزة، انما يدق جرس الانذار مرة اخرى ويحذر بطريقة مأساوية مما هو آت من تطورات، ومتى عجزت أية قيادة عن مواجهة احتياجات شعبها فان عليها ان تعيد النظر في كل حسابات ومبررات وجودها.
نؤكد اخيرا اننا ضد إحراق الانسان جسده للإعراب عن الاحتجاج مهما تكن الأسباب وهناك مئات الوسائل الأخرى لإيصال الرسالة والرفض والاستنكار.