يبدو أن السلطنة تدخل إلى الحياة الديمقراطية بشكل أكثر عمقا، لكنه أكثر هدوءا رغم حداثة التجربة بشكلها الحالي. فبعد عام كامل من جلسات مجلس الشورى الساخنة والتي ناقشت الكثير من الموضوعات المهمة والحساسة في السياق الديمقراطي العربي بعد الصلاحيات الواسعة التي منحت للمجلس العام الماضي، ها هو العد التنازلي يبدأ لحياة ديمقراطية جديدة تتمثل في المجالس البلدية، وهي تجربة جديدة في السلطنة لكنها أيضا غاية في الأهمية بوصفها تتويجا لمرحلة بدأت مع بواكير عهد النهضة المباركة.

لكن فكرة المجالس البلدية ليست غائبة عن الوعي الجمعي من حيث إنها مشاركة حقيقية في صناعة القرار المحلي في حدود الولاية الواحدة بوصفها نواة لمجتمع أكبر، وبوصف نواب المجلس هم الأقرب إلى معرفة احتياجات ولاياتهم وآلية توزيع التنمية فيها.

لكن التحدي الذي يمكن أن تواجهه هذه المجالس في المرحلة القادمة يكمن في أغلب التقديرات في تجاوز الناخبين للاعتبارات القبلية والعائلية وما شابها خلال عملية الانتخابات. وإذا كان الكثيرون رأوا بعد أن حصل مجلس الشورى على صلاحيات اعتبرت واسعة ومكنته من القيام بدور رقابي أنهم فوتوا فرصة مهمة في تجاوز عقبات الانتخابات والتمحيص الأكبر قبل اختيار ممثلهم فإنهم مدعوون في هذه المرحلة إلى مضاعفة تمحيصهم والبحث عن ممثلهم الأفضل الذي سيستطيع أن يكون مستشارًا حقيقيًا للولاية فيما يتعلق بمهام المجلس الذي يمثله ويقدم توصياته فيما يتعلق بالجوانب الخدمية والتنموية وتطويرها.

هذا التحدي رغم بساطة تجاوزه إلا أنه يظل عقبة حقيقية في ظل بقاء مجتمعنا محافظًا على سياقاته المتوارثة والتي من بينها إعلاء شأن القبيلة، لكن على المجتمع أن يكون أكثر وعيًا من خطورة هذه المرحلة الديمقراطية التي نمر بها، فممثلو الولايات في المجلس ستكون لهم آراء في توزيع الخدمات ومناسبتها للتجمعات السكانية ومتى ما كان الاختيار لصالح الكفاءة والقدرة الحقيقية بعيدا عن أي اعتبارات أخرى كلما اقتربنا بالتجربة إلى حيز النجاح وإلى زيادة الثقة المجتمعية بالمجالس.

 ثم إن منطق الأشياء يقول إن علينا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون ما داموا قد أثبتوا نجاحا، والآخرون في بلدان كثيرة تجاوزوا بمراحل طويلة مسألة كفاءة المنتخب إلى مراحل أكثر دقة وأكثر بحثا في جوهر الصلاحيات وتطويرها. لكن وأيا كانت تلك العقبات فإن المجتمع العماني قادر مع التوعية الإعلامية ومعرفة حقيقة هذه المجالس أن يتجاوزها، ويقترب أكثر من تكريس الحالة الديمقراطية التي تتوق إليها كل التجمعات البشرية، وعلى المجتمع أن يثبت أنه قادر أن يمارس حقه في المشاركة في صناعة القرار بمسؤولية حقيقية وأنه كفء لمزيد من الحياة الديمقراطية والشراكة مع الجهات الحكومية في صناعة مشهد يتحمل الجميع نتائج نجاحه كما يتحملون نتائج فشله.